تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه تجهز للسفر وأمر أصحابه بذلك، وأخبر الصديق بالوجهة، فقال يا رسول الله أوَليس بينك وبين قريش عهد؟ قال: نعم، ولكنهم غدروا ونقضوا، ثم استنفر عليه السلام الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحضر رمضان بالمدينة، فقدم جمع من قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة، وطوى عليه السلام الأخبار عن الجيش، كيلا يشيع الأمر فتعلم قريش فتستعد للحرب، والرسول عليه السلام لا يريد أن يقيم حرباً بمكة، بل يريد انقياد أهلها مع عدم المساس بحرمتها، فدعا مولاه جل ذكره، وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى تبعتها في بلادها، فقام حاطب بن أبي بلتعة أحد الذين شهدوا بدراً، وكتب كتاباً إلى قريش، يخبرهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسله مع جارية لتوصله إلى قريش على عجل، فأعلم الله رسوله بذلك، فأرسل في أثرها عليا والزبير والمقداد، وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن ظعينة معها كتاب، فخذوه منها، فانطلقوا حتى الروضة، فوجدوا بها المرأة، فقالوا لها أخرجي الكتاب أو لنلقين عنك الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه السلام: يا حاطب ما هذا؟ قال يا رسول لا تعجل علي، إني كنت حليفاً لقريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهلهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال عليه السلام: أما إنه قد صدقكم، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وفي هذا نزل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم

من فيض الرسالة · الصفحة ١٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٩٣