وأما الأشخاص الذين أداروا ذمة الحوار، ومثلوا هذا المنطق فهما أبو سفيان وقيصر، وكلاهما لا يمكن أن يحابي محمداً - صلى الله عليه وسلم - ولا أن يحابي دينه، لذلك كان لرأي كل منهما ميزانه بين الآراء، وقد كان أبو سفيان من أساطين الكفر وكبار المعارضين، وكان يعنيه - حينئذ - أن يقول كلمة مغموزة، أو رأياً ملتوياً، أو يحكم حكماً قاسياً يرسله كالصاروخ الموجه ليكيد به محمداً وأصحابه، ولكنه آثر الجانب الذي يتناسب مع رجولته الضخمة، وبسالته الفذة، وعقله الكبير، وشرفه العظيم، ونسبه النبيل، ومكانته في قومه، والقاضي أو الشاهد إذا ما تنبَّه لشرف مركزه وقداسة وضعه لم يذكر شيئاً في هذا الوقت إلا الصدق في القول، والإنصاف في الحكم، والسداد في الرأي، وعدم الميل إلى جانب الهوى أو الغرض، لأن ذلك يزري بالمروءة والشرف، ويدنس العرض والخلق، وأبو سفيان مهما كانت خصومته لمحمد - صلى الله عليه وسلم - واختلافه معه في الرأي لا ينسى أنه ذلك الرجل الذي كانت له السيادة في العرب، ولا يليق بمثله أن يُسفَّ، أو أن ينزل إلى مستوى السوقة، لذلك كله كان جديراً من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة أن يعطيه هذا الأمان الكبير المقرون بأن ينادي مناديه "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، وكان هذا سبباً في الدهش البالغ الذي أصاب الناس في هذا اليوم وهم كانوا لا يزالون يزعمون أنه باق على موقف العناد والمعارضة، ولم يفهموا أن التيار الجارف لا يعترضه إلا الذي يبلغ به الحمق غايته.
من فيض الرسالة · الصفحة ١٨٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
من فيض الرسالةص ١٨٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي