الغنيمة، وكانت جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأساً وأوفرها مالاً وأكثرها سلاحاً وأعظمها دربة على القتال، لذلك وقفت شبه جزيرة العرب كلها متطلعة إلى هذه الغزوة حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها، ولم يتم له الغلب فيها، وكان كثيرون يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها فوق الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال، وكان المسلمون يدركون تمام الإدراك ويقدرون نتائجه حق التقدير لذلك ذهبوا مستقتلين لا يعرف التردد سبيلاً إلى نفوسهم، وكان النبي يدرك - كذلك - قيمة هذا الموقف ويقدر أنه لو فشل أمام خيبر فسيتغير ميزان القوى من جديد، وربما حدثت نكسة أعادت إلى أعدائه قوتهم وحماستهم لقتاله والهجوم عليه، ثم إنه كان يدرك أنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه جزيرة
العرب فستظل المنافسة بين دين موسى والدين الجديد حائلاً دون تمام الغلب له، وحائلاً دون تمام الوحدة التي يعمل لها، والتي يسعى لإقرارها حتى يتم تكوين الأمة التي يريدها نواه لمجتمع إنساني فاضل تحت لواء الإسلام ... وبانتهاء سلطان اليهود خففت حدة البغضاء التي كانت في صدور المسلمين لهم وبخاصة الأنصار، وتغير الموقف نهائياً في جزيرة العرب لصالح المسلمين، وهكذا كان صلح الحديبية فتحاً مبيناً أتاح للنبي - صلى الله عليه وسلم - فرصة إحكام خطته وبدا بوضوح لأصحابه إنه الرجل العبقري الفذ الذي اكتملت له بصيرة القلب إلى جانب تأييد السماء".
وهذه الفقرة الأخيرة من كلام الأستاذ الشريف فيها بيت القصيد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع له إلى جانب بصيرة القلب تأييد السماء، ولهذا كان سلوكه حازماً ونهجه حكماً وتصرفه صواباً وعمله سداداً، يؤيده الوحي وتؤازره عناية الله، وهذه هي عقيدة المسلم التي لا يتحول عنها ولا يرتاب فيها.