تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"لقد كان يعادي محمداً قوتان كبيرتان تلتف حولهما كل القوى في شبه جزيرة العرب، فأما القوة الأولى فهي قوة قريش في مكة بما لها من نفوذ أدبي ومادي، وأما القوة الثانية فهي قوة اليهود بما لها من علم وذكاء وقدرة على الدس والوقيعة، وقد اتحدت مصالح القوتين على حربه والقضاء عليه، وقد استطاع محمد أن يثبت أمام القوتين وأن يخرج من حربه معهما مجتمعين قوياً حتى لقد أصبح زمام المبادأة في يده، وقد استطاع ببعد نظره وحسن سياسته وما أظهره من مرونة وكياسة أن يعقد مع قريش عهد الحديبية، فأمن به قريشاً وأمن الجنوب كله، لكنه لم يأمن ناحية الشمال حيث تجمعت فلول اليهود في خيبر وأخذت تسعى لتأليف كتلة يهودية منهم ومن يهودي وادي القرى ... لغزو يثرب وإذا كانوا قد استطاعوا تأليف الأحزاب حتى ساقوا لحرب المدينة عشرة آلاف مقاتل في غزوة الخندق فليس ببعيد عليهم ولا ممتنع أن يستعينوا بقبائل الشمال أو أن يستعينوا بقوى خارجية فارسية أو رومية لضرب المسلمين ضربة ساحقة نهائية، واليهود أشر من قريش عداوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم أحرص على دينهم من قريش، ولأن فيهم علماً ومكراً أكثر مما في قريش، وليس من اليسير أن يوادعهم لصلح كصلح الحديبية، ولأن يطمئن إليهم وقد سبقت منهم وبينه خصومات لم ينتصروا في إحداها فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا وجدوا فرصة مناسبة أو استطاعوا أن يمدوا لهم مدداً من قوى خارجية، وإذن فلابد من القضاء على قوة هؤلاء اليهود قضاء أخيراً حتى لا تقوم لهم من بعد بلاد العرب قائمة أبداً، وكذلك فعل فإنه لم يقم بالمدينة بعد عودته من الحديبية إلا خمس عشرة ليلة على قول آخر حتى أمر الناس بالتجهيز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية، وقد حرص - محمد - على ذلك حتى لا يكون معه أحد غير مطمئن إلى قوة نفسه وسمو روحه، وبعد تفكير عن الكسب المادي ومحمد لا يريد أن يضم إلى صفوفه مثل هؤلاء الناس من طلاب

من فيض الرسالة · الصفحة ١٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٨٠