تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووفد - كذلك - من مكة إلى المدينة أبو بصير فأرسل إليه سيده رجلين ليأخذاه من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما سلمه إليهما قال له يا رسول الله أتردني إلى المشركين فقال له نحن لا نغدر ... وفي الطريق قتل أبو بصير أحد الرجلين وفرَّ الآخر وذهب أبو بصير حتى نزلت العيص على ساحل البحر وهو طريق قريش التجاري وكان عهد محمد وقريش أن يظل الطريق آمناً فلما ذهب أبو بصير إلى هنالك وسمع إخوانه بمكة هربوا إليه وجعلوا وإياه يقطعون الطريق على قريش ويظفرون بكل ما يمر بهم من قوافل، وبذلك أحست قريش بالخطر الذي يتهددها من جراء وجود هذا الشرط في معاهدة الصلح التي أبرمها مع محمد - صلى الله عليه وسلم - مبعوثهم سهيل بن عمرو فذهبوا إلى محمد يرجون منه أن يعتبر هذا الشرط لاغياً، وأن يقبل كل من يفر إليه من أهل مكة حتى لا يزداد خطر أبي بصير وعصابته على قوافل تجارتهم التي تمر إلى الشام، وهكذا أثبتت الأيام بُعد نظر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن ليأخذ بهذا الشرط الأخير الذي كان مثار اعتراض وسخط عن ضعف منه أو عدم بصر للأمور وإدراك لعواقبها، وإنما كانت سياسة رشيدة، ونظراً بعيداً وكياسة حازمة مهدت له أن يوجه سياسته من مركز القوة، وأن يبعث برسائله إلى الملوك والرؤساء، وهو مطمئن إلى أنه لا يواجه تكتل خصوم، ولا احتشاد أعداء، ولا كيد جماعات لها نفوذ أو سلطان، وقد كانت هذه الفترة بالذات فترة تمكن الدولة الإسلامية وصلابة عودها وارتفاع رايتها، لأن المعاهدات إنما تكون بين قوتين متكافئتين، وهذا يعني أن قريشاً قد أصبحت تحسب - من جديد - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حساباً جديداً كالحساب الذي يكون بين الند والند، يكون محمد قد اطمأن إلى وضعه اطمئناناً يساعده على ألا يتهيب قوة أو يخشى جبروتاً أو يرهب طغياناً، ولذلك فإن الخطوة التي تحرك بها بعد صلح الحديبية، في القضاء على فلول اليهود التي كانت في خيبر وفدك وتيماء ووادي

القرى دلت على أنه ما كان ليقدم على هذا الصنيع الذي صنعه لو لم تكن الأرض من تحت قدميه مطمئنة ثابتة.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٧٧