تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد حدث نفسه: أنه رفع ثوبه عن جسمه ليجمع فيه شيئاً من الحصى والحجارة كما يفعل الأطفال فوجد هاتفاً يزجره في عنف بالغ وإزعاج مرعب وخوف انخلعت له نفسه فلم يعد بعد ذلك.

وحدث أيضاً: أنه أستأذن أخاه من حليمة السعدية أن يترك له الغنم في المرعى ليذهب هو - وحده - إلى عرس كان فيه لهو وطرب ما اعتاد الناس حينئذ أن يفعلوه، فلما ذهب إلى هنالك أخذته سِنة من النوم لم ينتبه منها إلا بعد انقضاء العرس.

وفي هذا كله دليل على حفظ الله له ورعايته إياه وعنايته به.

أما تلك العظمة التي كانت تملأ جوانب نفسه فإنها تظهر كذلك في كثير من خلاله التي كانت تسيطر عليه والتي كانت لا ترده أبدا موارد الصغار، أو تنزل به إلى حيز الأسفار، ولقد كان لجده عبد المطلب بساط لا يجلس عليه غيره ولا يقتعده سواه وهو تقليد كان عند العرب توارثوه عن الآباء والجدود فإن تعدي متعد ذلك التقليد، اعتبروه متمردا على الأوضاع، خارجاً على الحدود.

وقد حكوا: أن محمداً في طفولته كان يتمرد على تلك السنة ويتجاوز ذلك التقليد ويسارع إلى المكان قبل أن يحتله جده عبد المطلب، فإن وبخه أحد أو لامه لائم قال لهم عبد المطلب: دعوه دم السيادة يجري في عروقه وروح المجد يملأ جوانحه والنزوع إلى الرفعة يدفع به نحو المكان العالي، وكان الذي يملأ قلب عبد المطلب بهذا اليقين أنه رأى في منامه رؤيا فسَّرها له العارفون بتأويل الأحلام: أن رجلاً من صلبه تدين له العرب بالطاعة وتعرف له بالفضل وتذعن له بالشرف وتؤمن له بالسلطان.

وكذلك كان يفعل الطفل مع عمه أبي طالب، بعد أن انتقلت كفالته إليه بموت عبد المطلب، وهي روح إن دلت على شيء فهي إنما تدل على أن تلك النفس العالية كانت تسبق الزمن وتستعد للمستقبل وترعاها عناية خفية عن أنظار البيئة التي يعيش فيها.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٦