لم يبق أمام عبد الله وأخته زينب بعد نزول هذه الآية إلا الإذعان؛ فقالا: رضينا يا رسول الله. وبنى زيد بزينب بعد أن ساق النبيّ إليها عنه مهرها. فلما سارت زينب إلى زوجها لم يسلس له قيادها ولا لان إباؤها، بل جعلت تؤذي زيدا وتفخر عليه بنسبها وبأنها لم يجر عليها رقّ، واشتكى زيد إلى النبيّ غير مرّة من سوء معاملتها إياه، واستأذنه غير مرّة في تطليقها، فكان النبي يجيبه: «أمسك عليك زوجك واتق الله». لكنّ زيدا لم يطق معاشرة زينب وإباءها عليه طويلا فطلقها.
وكأن الشارع الحكيم قد أراد أن يبطل ما كانت تدين به العرب من التصاق الأدعياء بالبيوت واتصالهم بأنسابها، ومن إعطاء الدعيّ جمع حقوق الابن، ومن إجرائهم عليه أحكامه حتى في الميراث وحرمة النسب، ولا يجعل للمتبني واللصق إلا حقّ المولى والأخ في الدين. فنزله قوله تعالى: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ).
ومعنى هذا أنه يجوز للمدعي أن يتزوّج ممن كانت زوجا لمن ادّعاه، ويجوز للمتبنيّ أن يتزوّج ممن كانت زوجا لمتبنّاه. ولكن كيف السبيل إلى تنفيذ هذا؟ ومن من العرب يستطيعه وينقض به تقاليد الأجيال السالفة جميعا؟ إن محمدا نفسه، على قوّة عزيمته وعميق إدراكه لحكمة الله في أمره، قد وجد على نفسه الغضاضة في تنفيذ هذا الحكم بأن يتزوّج زينب بعد تطليق زيد إيّاها، ودار بخاطره ما يمكن أن يقول الناس في خرقه هذه العادة القديمة المتأصلة في نفوس العرب لكن محمداً كان القدوة في كل ما أمر الله به وما طلب منه أن يبلغ رسالته فليخش ما يقول الناس فذلك لا شيء إلى جانب خشية الله بتنفيذ أمره وليتزوج من زينب ليكون قدوة فيما أبطل الشارع الحكيم من الحقوق المقررة للتبني والادعاء، هذه رواية التاريخ الصحيح".