ولم يمض عام واحد عام على أحد حتى كان الموعد الذي هدد أبو سفيان بلقاء المسلمين فيه ببدر قد حان فخرج أبو سفيان إلى بدر وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن هدد أنه لا يتخلف عن الخروج ولو أدى ذلك إلى أن يخرج وحده، وكان لهذا التهديد أثره في خمسة المسلمين وإقدامهم البالغ بعد أن كان فيهم فتور وتردد، وقد أقام ثمان ليال ينتظر أبي سفيان لكن أبي سفيان بدا له أن يرجع معتمدا على أن العام لم يكن خصبا، وقال يا معشر قريش أنه لا يصلحكم إلى عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب فارجعوا، فرجع الناس.
أما المسلمون فإنهم اتجروا في سوق بدر وعادوا بربح عظيم لعله هو المقصود في آخر الآيات السابقة بقوله جل شأنه (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ).
ويقول المؤرخون: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى المدينة بعد هذه الرحلة الميمونة التي كانت إلى بدر الثانية والتي انقلب المسلمون بعدها بنعمة من الله وفضل إلا وقد صنع من التطهير العام في الطريق وإشاعة الرعب في نفوس المتمردين، ما لم يكن له أن يصنعه في سنوات، وكان أبرز ما صنع هو جلاء بني النضير الذي كان بعد جلاء بني قينقاع الضربة القاصمة التي وجهت إلى اليهود جبهة المعارضة للرسول وأصحابه، ثم كانت بعد دللك غزوة الخندق أو الأحزاب التي لم تجن من ورائها بعد التجمع ومحاصرة المدينة والفشل الذي منيت به إلا القضاء على بني قريظة وبذلك كله صار المركز القوي للإسلام والمسلمين.