"إن محمداً قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه وكلهم أشد ما يكونون عليكم حنقا ومنكم للثأر طلبا".
على أن أبا سفيان فكر من جانبه فيما يكون لفراره من محمد ومن عدم مواجهته إياه بعد انتصاره من الأثر أفلا تقول العرب في قريش ما كان يود أن تقوله في محمد وأصحابه، ولكن هبه رجع إلى محمد فهزمه المسلمون إذاً ليكونن ذلك القضاء الأخير على قريش قضاء لا تقوم له من بعده قائمة أبداً، فلجأ إلى الحيلة فبعث مع ركب بني عبد القيس يقصدون المدينة يبلغون محمداً أنه قد أجمع السير إليه وإلى أصحابه ليستأصل بقيتهم، فلما أبلغ الركب الرسالة إلى محمد بحمراء الأسد لم يتضعضع عزمه ولم تهن قوته، بل ظل في مكانه يوقد النار طيلة الليل ثلاثة أيام متتابعة ليدل قريش أنه على عزمه وأنه منتظر رجعتهم، وأخيرا فترت همة أبي سفيان وقريش وآثروا أن يبقوا على نصرهم بأحد وعادوا أدراجهم ميممين مكة، ورجع محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وقد استرد كثيراً من مكانته التي تزعزعت على أثر الهزيمة في أحد".
وفي هذا الموقف الذي وقفه المسلمون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بحمراء الأسد وغيرها لإرهاب العدو وتخويفه نزل قوله سبحانه ثناء عليهم (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174).