تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى كل حال فقد ابتدأت المعمعة حامية الوطيس على الرغم من عدم التعادل القوتين وتكافؤ الطرفين وكان أبو "دجانة" قد أخذ سيف الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجعل يحصد به الرؤوس وهو رجل قد اشتهر بالشجاعة والإقدام والفروسية وكان هو وحمزة "يمثلان في جيش المسلمين القوة التي لا تقهر، ولا يستطيع أحد أن يردهما أو يقف في طريقهما إذا كانت الانتصارات والهزائم في الحرب تتوقف على النظام والطاعة والإيمان والعقيدة وأن شيئاً واحداً من هذه كلها قد يكون شيئاً قويا في نهاية محمودة أو غير محمودة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم - وهو الذي لا ينطق عن الهوى قد رسم للمسلمين وهو لا يشك في صدق إيمانهم -الدستور الصحيح للنظام والطاعة التي يحتاجها النصر، وهو يعلم مدى الفائدة التي تعود منها، وفي هذه الكلمات البسيطة التي يخاطب بها الرماة الخمسين ما يدل على مقدا بصره الدقيق بالتكتيك الحربي الذي لا يعرفه إلا كبار القواد والساسة، فإن المحنة لم تحل بالمسلمين في أحد إلا بسبب هذه المخالفة حيث بدأت بوادر النصر فترك هؤلاء أمكنتهم وسارعوا إلى انتهاب الغنائم، وكان كشف هذه الثغرة تمهيداً لالتفاف جناح جيش العدو بقيادة (خالد بن الوليد) حول المسلمين وإعمال السيف فيهم بعد أن انضم إليه الفارون من أهل مكة، وبذلك أصبح جيش محمد - صلى الله عليه وسلم - هدفا ميسورا للمشركين ينالون منه ويقبضون على ناصيته، وبفرار المسلمين وانطلاق الصوت المغرض: "إن محمد قد مات" كان جيش محمد - صلى الله عليه وسلم - على الحال التي تستحق الرثاء والأسف إذا كان كبار المسلمين من أمثال "أبي بكر" و "عمر" و "علي قد نفضوا أيديهم من نصر الله لهم ولم يكن لهم تفكير إلا في النجاة من الموت أو الأسر، ومن خلال تلك السحابة الدكناء التي اشتبه فيها الحق والباطل تبين "كعب بن مالك" وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - فنادى بأعلى صوته: "يا معشر المسلمين، أبشروا هذا رسول الله

من فيض الرسالة · الصفحة ١٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٢٩