ومضى "العاصي بن الربيع" إلى مَكّة ولَمّا أبرأ ذِمَّته من الأموال التي كانت في يده عادَ إلى النبي - صَلّى اللَّهُ عليه وسَلَّم - في المدينة وأعلن إسلامه وعادت إليّه "زينب" واستأنف معها في ظِلال الإسلام عَيّشاً أرغد وحياة أهنأ وصلة أقوى مِّما كانت، ولَعَلَّ السبب في تَمَسُّكِه بها وحدبه عليها وترامي عاطفته نحوها إلى هذا الحد لا تَرجع إلى رابطة الزوجية وكفى، ولكن إلى أنَّهت ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنَّها - كذلك - ابنة خالته لأنَّ أمّه (هالة بنت خُويْلِد الأسدية) أخت "خديجة" - أم المؤمنين - وكانَ "العاصي" هذا مِمَّن عُرِفوا في مكة بالأمانة والاستقامة وحسن الخُلق، وكانَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يُثني عليّه في صهره، وكثيراً ما حاول المشركون أن يحملوه على ترك "زينب" فَلَم يترُكها وازداد تَعَلُّقاً بِها.
وكان من الصور التي تفيض بالإنسانية المُهَذَّبة والمروءة النادرة أنَّ قتلى المشركين الذين لم يجدوا من قَومِهم وذويهم من يدفن جُثَّتَهُم ويُواري في التُراب أجسامهم صَنَعَ المسلمون بهن صنيع الإنسانية والمروءة إذ جمعوا أشلاءهم وأجسامهم وجعلوهم في قليب - بئر - ثُمَّ هالوا عليّهم التُراب وقد ظَلَّ المسلمون بعد أن انتهت المعركة يوماً كامِلاً وليلة كاملة لا يُغادِرون مكان المعركة، وبيْنما المسلمون بالليل يسودهم الهدوء والسكون يستغرق في نومه منهم من أتعبه العمل وأنهكته الحركة وأعياه الكرّ والفرّ في ميّدان القتال، كان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عليّهِ
وسَلَّم - واقفاً على القليب الذي يَضُم جُثث الموتى مُناجِياً تلك الجثث قائلاً: "يا أهل القليب، يا عقبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام يا فُلان يا فُلان - يَذكُر مَن في القليب واحداً واحداً -: هل وجدتم ما وعَدَكُم رُبُّكُم حَقاً، فَإِنّي وجدت