ومن الصور العاطفية التي تفيض بالحنين والحب في هؤلاء الأسرى الذين ضاقت عليهم شباك الأرض تلك الصورة التي كانت بين "زينب" ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عليّهِ وسَلَّم - وبين زوجها فإنَّ زَوجها "العاص بن الربيع" وقع أسيراً في أيدي المسلمين ولم يكن هنالك بدا من أن يُلاقي الذي يَلقاه أمثاله من معسكر الكفر الذي كان كل هم الرجل منهم أن ينكل بالرسول وبالمسلمين وبدعوة الحق حتى إذا ما انتهى به المصير إلى تلك النهاية بدت عليه الكآبة وأحاطت به الذلة، وشعر بأنه أحقر من لا شيء في العدد، فَلَمّا رأت "زينب" ما لَحِق به دفعت بقلادة كانت أمها "خديجة"، قد نحلتها إياها حين بنى بها "العاصي" وذلك فداء لزوجها وكان هذا الصنيع الرقيق مثيراً لوجدان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عليّه وسَلَّم فلم يسعْهُ إِلّا أن يقول للمسلمين "هل لكم أن تَرُدّوا قلادتها وتخلوا لها أسيرها بها".
وقد خلى المسلمون سبيله وعاد إلى مكة وخرج على رأس عير في تجارة لبعض أرباب الأموال من قُرَيْش وفي عودته من الشام التقى به جماعة من المسلمين فأخذوا ما معه وهنالك التجأ إلى "زينب" لِيَرِدَّ المسلمون إليه ما أخذوه منه وعَمِلَت "زينب" على رَدِّ أمواله إليّه فقد كان أجيراً على العمل لا يملك من الأموال شيّئاً - على الرغم من أنَّ صِلَة الزوجين بَيْنَهُما قد انقطعت لأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بَيْنَهُما بِحُكم اختلاف الدين.