أي لا يستطيعون ركوب السيارة والطائرة لم يكونوا يستطيعون أن يثبتوا فوق الدابة في أثناء الهجرة, لم يستطيعوا ماذا? قال الله عز وجل (لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) أي لا يعرفون الطريق ..
(فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم)
(النساء: 99)
هؤلاء المستضعفون من الرجال الذين بلغوا من العمر عتيا ومن الأطفال الصغار ومن النساء اللواتي ليس لهن دأب ولا عادة بظهور الخيل بأن يمتطين صهواتها, هؤلاء يعفو الله عنهم (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) عن هؤلاء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وما عدا هؤلاء المستضعفين فسؤال الملائكة رهيب في القبور ويوم القيامة, (فيم كنتم?) ما عذركم وما حجتكم في ترك الهجرة والجهاد والرباط? (كنا مستضعفين في الأرض) , فيكون الجواب (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها? فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) , إذا الإستضعاف إعطاء الضعف للطواغيت في الأرض والإستسلام لهم بأن يدوسوا الرقاب ويذلوا النفوس ويهينوا كل كريم ويرفعوا كل لئيم, هذا ليس من شرعة الله في الأرض أبدا , لأن الذل قرين الكفر كما قال الشافعي:
أنا إن عشت فلست أعدم قوتا ... ولئن مت فلست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي ... نفس حر ترى المذلة كفرا
إن الذليل لا يستطيع أن يعبد الله عز وجل وإن كنتم في شك مما أقول فاسألوا الممالك التي دانت للجبابرة وخضعت للأباطرة وسيطر عليها القياصرة, اسألوها أين قرآنها? أين دينها? أين أجيالها? كيف ترعرع أبناؤها? أين أبناء بخارى وسمرقند وطشقند والأندلس وغيرها, هل بقي لهم قرآن? هل بقي لديهم دين? إن أهل بخارى الذين اشتركوا في الحملات الأولى في الغزو الروسي على الأفغان, المسلمين كانوا يسألون هل القرآن مجلد واحد أم عدة مجلدات? وكيف القرآن الكريم, ولشدة لهفتهم ورغبتهم برؤية كتاب الله كانوا يعطون الأفغاني الذي يستطيعون الوصول إليه سلاحهم من أجل أن يعطيهم القرآن الذي طالما سمعوا عنه في أعماق الغرف وفي داخل الحجرات ومن خلال الهمسات في الظلمات من آبائهم يعلمونهم أنكم مسلمون وأن لكم كتابا أنزل وأن لكم قرآنا ي تلى ولكن القرآن من م سك عنده فحكمه في القانون أربع سنوات لأي واحد من الممالك الإسلامية يقبض متلبسا بجريمة حمل القرآن أو بادخاره بأحد صناديقه في البيوت [# لم تسمح روسيا بإدخال المصاحف وحرية تناولها الا في السنوات الأخيرة]. فنحن نفرنا في سبيل الله, وسبيل الله إنما هو قرين برفع الظلم عن النفس ورفع الظلم عن الآخرين. ولذلك الذي لا يرفع الظلم عن نفسه يستحق جهنم والذي لا يرفع الظلم عن غيره هو كذلك ملعون أو مدعو عليه من قبل أهل الأرض ومن ق بل سكان الملأ الأعلى في السماء ..
(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا)
(النساء: 57)
التحرك لرفع الظلم عن المستضعفين:
فسمى رب العزة الذين لا يتحركون لإزالة الظلم عن الناس ظالمين وهم يستحقون الدعاء من أولئك المستضعفين ..
(الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا , الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون
في سبيل الطاغوت, فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا)
(النساء: 57ـ67)
وقد قرن رب العزة الجهاد في سبيل الله بالجهاد في سبيل المستضعفين في الأرض, ولذلك لم يقل رب العزة: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفون من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ... ) حتى تكون الواو استئنافية إبتدائية وتكون الذين مبتدأ, لا .. بل قال: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين) أي في سبيل المستضعفين. (الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).
وجريمة الذين يخفون دين الله ويحرفونه ويمتنعون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو يسكتون عنه, وقمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إزالة الظلم باليد أي بالسيف والسلاح, (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) والتغيير باليد هو الجهاد في سبيل الله بالسلاح, الجهاد بالمدافع والطائرات والدبابات, الجهاد بكل وسيلة تستطيع بها مسح الظلم وإقرار العدل والقسط في الأرض ..
(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بين اه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)
(البقرة: 951)
وفي حديث حسن يرويه ابن ماجه مرفوعا إلى الرسول صلى يقول: أتدرون ما اللاعنون? إنها دواب الأرض, الجعلان -الصراصير الديدان- يصيبها القحط بسبب كتمان علماء السوء الخير, إنها الجعلان كما قال مجاهد وغيره, الصراصير في أعماق الأرض تضرع إلى ربها تلعن الذين لا يتحركون لإزالة الظلم, أن تلعن دواب الأرض التي يمتنع عنها قطر السماء وتمتنع عنها بركات الأرض, بحيث لا تنبت خيراتها, ولا تخرج بركاتها, كل ذلك بسبب أنهم يكتمون الخير ويسكتون عن الظلم, (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله) أولا يلعنهم الله. إن الظالمين الذين هم لا يتحركون لمسح الظلم ولإزالته ولإنصاف المظلوم ولإدانة المتهم أو رفع الظلامة عنه إن كان بريئا , هؤلاء ..
(يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)
(البقرة: 951ـ061)
عقوبة الساكتين عن الظلم:
والله عز وجل يسمي كل ساكت عن ظلم وكل مقر لباطل ظالما وسيتعرض للعقوبة في الدنيا قبل أن يتعرض للعقوبة في الآخرة ..
(وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أومعذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون, فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون, فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين).
(الأعراف: 461ـ661)
والآيات الكريمات إنما نزلت في أهل إيله (العقبة الآن) من اليهود الذين كانوا يحتالون على الله عز وجل الذي حرم عليهم اصطياد السمك يوم السبت فكانوا يحتالون على الله ويأتون مساء يوم الجمعة فيعملون الحياض وتصب فيها القنوات الواصلة من البحر, فإذا جاءت الحيتان يوم سبتهم ش ر عا تدخل المياه أثناء المد , وعندما تجزر المياه تبقى الأسماك في داخل الحياض ويأتي اليهود في صباح الأحد ويأخذونها, فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآيات:
(واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم ش ر عا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون, وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما .. )