لن تقوم للمسلمين قائمة بدون قتال .. لا يمكن الطريق إلى مجتمع إسلامي إلا من خلال جهاد شعبي عام, لن تستطيع دعوة مهما كانت منظمة, مهما كان عددها أن تقيم دولة الإسلام وحدها, إنما الدعوة الإسلامية ضرورة لتكون عقل الأمة المفكر, وقلبها النابض, وتعتبر الدعوة الإسلامية صاعقا يفجر طاقات الأمة .. الأمة طاقات والدعوة الإسلامية هي الصاعق, فهي التي تفجرها.
فوظيفة الدعوة الإسلامية: أن تحرك الخير في أعماق الأمة وتقود مسيرة الجهاد, كما حصل في الجهاد الأفغاني .. الحركة الإسلامية صاعق فجر الجهاد الأفغاني فقامت الأمة .. الشعب بكامله, شعب بكامله يضحي, ما من بيت تدخله إلا ويدفع الثمن .. المسيرة طويلة .. الجماعة الإسلامية تقود المسيرة, هذا ضروري, لكن أفرادها قليلون وهذه حرب تحتاج إلى وقود, ووقودها الناس .. خلال المسيرة تصفو نفوسهم, تصقل أرواحهم, تعلو اهتماماتهم , تصغر الدنيا في أنظارهم, لا يختصمون على سفاسف الأمور.
بروز القيادات من خلال الجهاد:
خلال مسيرة الحركة الجهادية تبرز القيادات الحقيقية وتبرز العناصر الصافية .. تبرز من خلال ما قدمت, فأبو بكر رضي الله عنه وعمر وعثمان ما أبرزتهم الدعوة الإنتخابية ولا التلفزيون, أبرزهم جهادهم, أبرزتهم شجاعتهم, أبرزهم سخاؤهم, أبرزتهم حركتهم الطويلة مع رسول الله ص, ولذلك عندما توفي الرسول ص تطلعت الأمة; "من يقوم بالعبء", فما وجدت غير أبي بكر فبويع بالإجماع, ولم ينزل أبو بكر قائمة انتخابية- انتخبوا مرشحكم الحر أبا بكر الصديق رضي الله عنه- ما قال هذا, ما قال: انتخبوا صوت الحق والعدالة الذي لا يسكت .. لا .. - وفي البخاري عن ابن عمر- كان أصحاب رسول الله ص لا يعدلون بأبي بكر أحدا, ثم عمر, ثم عثمان.
الطبقات ظهرت من خلال المسيرة الجهادية, أما مجتمع راكد, ليس فيه جهاد ولا حركة, كيف تبرز مقادير الرجال?! مجتمع راكد لا يطفو عليه إلا العفن, الإنسان الذي يحسن التشدق بالكلام أو عنده مال كثير أو عشيرته كبيرة هو الذي يبرز في المجتمع.
ولذلك الحركة الجهادية الطويلة ضرورة لإبراز القيادات, والقيادات التي تبرز من خلال الجهاد لا تشكك الأمة فيها.
الآن الشيخ جلال الدين حقاني, الشيخ أرسلان, الأخ أحمد شاه مسعود, صفي الله, من يستطيع أن يشكك فيهم بعد أن خاضوا هذه المعركة الطويلة التي استمرت ثمان سنوات?! .. من?! .. هل يستطيع أحد أن يشكك فيهم?! خاصة من الذين رأوهم بأم أعينهم في خضم المعركة خلال هذه الفترة الطويلة, لا يستطيع أعداء الأمة أن يتدخلوا, ولا تقوم انقلابات عسكرية عليهم, لأنهم برزوا من خلال الثقة العظيمة بهم, من خلال تضحيتهم وبذلهم, أما في المجتمع الراكد; مثال النفوس ماذا?! .. تبقى النفوس ضعيفة ميتة, يخاف الواحد من خياله.
الأفغان من أي شيء يخافون?! .. الآن واحد مثل أحمد شاه مسعود; من أي شيء يخاف? كل يوم تضربه الطائرات, هل بعد ذلك يخاف من تهديد روسيا أو من تهديد أمريكا?! لقد سقطت هذه الهالات من عينه يوم أن خاض المعركة بنفسه, أما المدني .. الذين ينتخبونه هذا إذا سمع أن السفير الأمريكي غاضب عليه يبقى اسبوعا لا يستطيع أن يقف على قدمه, نعم أصابه كساح.
ولذلك الآن الدول الغربية التي تحاول أن توقف الجهاد, وأن تأتي برجل ليس من المجاهدين .. جس ت نبض العسكريين في داخل باكستان وجدت أنهم واقفون مع المعركة في أفغانستان, ولذلك تحاول أن تبرز بينظير بنت بوتو على أساس أنها- إذا رأت قطا في الليل .. الله يعوض علين (6) [يقصد الشيخ أنها من الجبن والخوف إذا رأت قطا في الليل قد يخشى عليها من الفزع]. تريد أن تأتي بأشخاص مدنيين حتى إذا نظرت إليهم شزرا من بعيد, أطاعوا وخضعوا.
فلذلك لا بد من المسيرة الجهادية القوية, ولن تقوم دولة إسلامية عن طريق حفنة من العسكريين, يعملون انقلابا , الإنقلاب يأتي بعده انقلاب, فالذين ينتظرون قيام مجتمع مسلم من خلال البيان الأول, هؤلاء لا يدركون طبيعة المجتمعات, المجتمع الذي يضحي من أجل وصوله إلى دولة إسلامية, هذا ليس من السهل أن يفرط بالنتائج, أما الذي يأتي من خلال البيان الأول ..
ومن أخذ البلاد بغير حرب ... يهون عليه تسليم البلاد
رأينا في الجهاد الأفغاني
يا من رضيتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا إعلموا أن الله قد أنزل في محكم التنزيل, بعد أعوذ ب من الشيطان الرجيم:
(فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا)
(النساء:48)
سأنطلق من هذه الآية بإذن الله لأبين رأينا في الجهاد الأفغاني ومنهاجنا في العمل معه, والنظرة الشرعية الصحيحة والرأي الأكيد الجازم الذي اتفق عليه إجماع العلماء وما شذ في القريب أو البعيد في الماضي السحيق من سلف هذه الأمة أو في الحاضر المعاصر الذي يحياه بقية السلف في هذه الأمة (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين).
يخاطب رب العزة نبيه في هذه الآية بأمرين واجبين من فوق سبع سموات: الخروج إلى القتال ولو كان وحيدا , والشيء الثاني حث المؤمنين وتحريضهم على القتال, وبين سبحانه وتعالى على أن شوكة الكفار لن تنكسر وكيدهم لن يرد في نحورهم إلا بالقتال, لأن عسى مع الله للتحقيق لا للتشكيك كما قال ابن عباس رضي الله عنه, (كل عسى في كتاب الله فهي للتحقيق, إن كانت من الله) فعسى للتحقيق (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) أي أن الله سيكف بأس الذين كفروا إن أديت هذين العاملين, القتال في سبيل الله ولو كنت وحيدا فريدا في المعركة, وتحريض المؤمنين وهذا الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم فهموا هذه الآية على ظاهرها فعن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب الرجل يحمل على المشركين أهو يلقي بيده إلى التهلكة, قال: لا, لأن الله بعث رسوله ص فقال (فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك) وإنما ذلك في النفقة أي الإمساك عن النفقة, هو الإهلاك (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
وكما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم كذلك وصححه ووافقه الذهبي عن أبي عمران قال (كان الروم ملصقي ظهورهم إلى الحائط في القسطنطينية وعلى الناس عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فهجم بعض المسلمين عليهم, فقال بعض القوم: سبحان الله سبحان الله يلقون بأيديهم إلى التهلكة وكان في القوم أبو أيوب الأنصاري, فقال: فينا معشر الأنصار نزلت الآية, عندما نصرنا رسول الله ص, قلنا: نرجع إلى أموالنا وبساتيننا التي هلكت فنصلحها, فأنزل الله (1) [رواه الترمذي والنسائي والحاكم .. انظر تفسير ابن كثير 1/ 343].
(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).
(البقرة:591)