تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه .. وثم .. وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا , على هذا التدريج.

وبمثل هذا أفتى الكاساني في بدائع الصنائع, وابن لجين في البحر الرائق وابن الهمام في فتح القدير.

وأما المالكية فيقول عنهم الدسوقي في حاشيته: ويتعين الجهاد- أي يصبح فرض عين- بفجىء العدو, قال الدسوقي: أي توجه الدفع بفجىء أي المفاجأة على كل أحد, وإن امرأة أو عبدا أو صبيا , ويخرجون ولو منعهم الولي والزوج ورب الد ي ن.

وأما الشافعية: فيتحدث عنهم (الرملي) في نهاية المحتاج, يقول: فإن دخلوا بلدة لنا وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر, فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم من فقير وولد وعبد ومدين وامرأة.

أما عند الحنابلة, فيتكلم عنهم ابن قدامة في المغني, يقول: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:

أولا: إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان ..

ثانيا: إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

ثالثا: إذا استنفر الإمام قوما لزمهم النفير.

هؤلاء الأئمة الأربعة, وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية, وهذا الشيخ حسن البنا يقول في رسالته (الجهاد) , بعد أن ينقل عن الفقهاء; ينقل عن الشوكاني وعن المحلى وكذلك عن كثير من الفقهاء, ينقل عن الأئمة الأربعة, يقول: فها أنت ترى من ذلك كله كيف أجمع أهل العلم مجتهدين ومقلدين, سلفيين وخلفيين على: أن الجهاد فرض كفاية على الأمة الإسلامية لنشر الدعوة وفرض عين لدفع هجوم الكفار عليها.

والمسلمون كما تعلم الآن مستذلون لغيرهم, محكومون بالكفار, قد ديست أرضهم وانتهكت حرماتهم وتحكم في شؤونهم خصومهم وتعطلت شعائر دينهم في ديارهم فضلا عن عجزهم عن نشر دعوتهم, فوجب وجوبا عينيا لا مناص منه أن يتجهز كل مسلم, وأن ينطوي على نية الجهاد, وإعداد العدة له حتى تحين الفرصة, ويقضي الله أمرا كان مفعولا.

وقد قرر كذلك- علماء الأزهر- مجمع البحوث الأعلى في الأزهر الشريف في مؤتمره السابع: على أن الجهاد فرض عين بالنفس والمال, وأن المال وحده لا يكفي.

يا أيها الأخوة: هذه نصوص من ربنا, وهذه نصوص من أهل الذكر من علمائنا ممن أوجب الله علينا سؤالهم

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

(النحل: 34)

أهل الفتوى في الجهاد:

والسؤال عن حكم الجهاد- كما يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى- على أن: أمور الجهاد إنما ي سأل عنها أهل الدين الصحيح الذين يعرفون ما عليه أهل الدنيا, ولا ي سأل عنها الذين ينظرون بظاهر النصوص, ولا يسأل عنها كذلك أهل الدين الصحيح الذين ليس لهم علم بما عليه أهل الدنيا; يوجب ابن تيمية على أننا نأخذ الفتاوى في الجهاد من رجل توفرت فيه صفتان:

الصفة الأولى: أن يكون قد عايش المعركة ويعرف حاجاتها: يعرف ما عليه أهل الدنيا.

والصفة الثانية: أنه من العلماء المعروفين, أي من أهل الدين الصحيح.

وإذا فقد أحد هذين الشرطين لا يستفتى في الجهاد, وكم من علمائنا ومشايخنا وأناس نعزهم كآبائنا استفتوا في الجهاد الأفغاني, ثم أفتوا بأن لايذهب الناس إلى الجهاد الأفغاني, وبعد أن تبينت حقيقة الجهاد الأفغاني لهم تراجعوا عن هذه الفتوى.

هذا الشيخ الألباني- بارك الله في عمره- كان قد أفتى في شوال سنة (5041هـ) أنه فرض عين; الجهاد في أفغانستان, ولكن كيف يمكنكم الذهاب إلى أفغانستان? وأين تتدربون? وهل يمكنكم الدخول إلى داخل أفغانستان?, وكيف تقاتلون الدبابات الروسية بالسكاكين والمدى? ثم يسأله أخيرا أحد الشباب الحاضرين: أنا طبيب أريد أن أذهب إلى أفغانستان, هل أذهب? قال: لا تذهب.

هذا أيام أن كانت الصورة غائمة, لا يعرف شيخنا عن حقيقة الجهاد في أفغانستان, لا يدري أننا في مسجد صدا نستطيع أن نفك الهاون ونفك مضادات الطائرات وأن نصلي وأن نقوم الليل وأن نتعلم العلم وأننا نحمل الأسلحة على البغال والحمير ونمشي بها في داخل أفغانستان شهرا كاملا , لا يقابلنا أحد, ولا يعترضنا أحد, ثم قبل شهر وإذا به يصدر فتوى- وقد وصل إلينا شريطه وهو موجود عنديـ: على أن الجهاد الآن فرض عين في أفغانستان, ويسأله أحد الشباب يقول له: ولو مع أهل بدع? قال: إذن أنتم تريدون أن تعطلوا فريضة الجهاد, وأي شعب بدون بدع?! قال له: وإذن الوالدين? قال: لا إذن للوالدين مع فروض الأعيان لا إذن للوالدين- والشريط موجود عندي- ثم سألوه عن رفع اليدين وعن حركة الأصبع وغير ذلك, قال: لا يجوز لكم الرفع أبدا , إذا كان إمامكم لا يرفع يديه في الصلاة فلا يجوز لكم أن ترفعوا أيديكم خلفه, ولا أن تحركوا أصابعكم, وإذا كان لا يجلس جلسة الإستراحة فلا يجوز لكم أن تجلسوا جلسة الإستراحة.

وكنت قد أفتيت بهذا بناء على فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (اختلاف الأمة في العبادة) قال: وترك المندوبات والمستحبات لمعارض راجح أفضل وأحسن, لأن ائتلاف القلوب فريضة وهذه مستحبات, والفريضة مقدمة على المندوبات, ثم قال ابن تيمية: ألم تر أن رسول الله ص قد امتنع عن هدم الكعبة وإعادتها على أسس إبراهيم خوفا على قلوب الأمة, قال: (يا عائشة, لولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة, وأعدتها على أسس ابراهيم, ولجعلت لها بابين, بابا يدخل الناس منه, وبابا يخرج الناس منه) (1) [رواه البخاري]. وبو ب البخاري بابا فيه: ترك الإمام للمفضل المختار خوفا من نفرة قلوب الناس.

وإذا بالشيخ الألباني- حفظه الله- يفتي بهذا, وبناء على نص صحيح يقول في الحديث الطويل: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كب ر فكبروا فإذا ركع فاركعوا فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد فإذا سجد فاسجدوا فإذا- أخيرا- صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين) (2) [رواه البخاري ومسلم]. يقول الشيخ الألباني عند هذا الحديث: إذا كان رسول الله ص قد أبطل ركنا من أجل متابعة الإمام, وركن القيام في الصلاة ركن بإجماع العلماء .. القيام في الفريضة ركن بإجماع العلماء الرسول ص أبطل هذا الركن من أجل متابعة الإمام, فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين, (صلوا) فعل أمر وهو يحتمل أن الندب أو الوجوب, فإذا كان واجبا , فيجب قعود الأصحاء وراء الإمام المريض القاعد, وإذا كان مندوبا فتطبيق سنة رسول الله ص: هوترك مخالفة الإمام, ففي الحالتين ترك القيام من أجل متابعة الإمام وطمعا في الثواب, ولذلك يلتقي شيخ الإسلام ابن تيمية, والشيخ الألباني في هذه القضية, وأنا قد كنت جئت بها عن طريق أصولي, لا يمكن لإنسان أن يناقش فيه.

قلت لكم, وقلت للأخوة: إذا استيقظ الإنسان قبل طلوع الشمس; بدقيقتين, لم يبق أمامه إلا دقيقتان, إما لصلاة الفرض, وإما لصلاة سنة الفجر .. فأيهما يصلي? كل مسلم عاقل وكل عالم وكل جاهل يقول: إن الفرض يقدم على السنة في هذه القضية, وقلت للأخوة: إذا كان رفع اليدين وحركة الأصبع ووضع اليدين على الصدر يؤدي إلى تعطيل فرض الجهاد الذي جئت من أجله, ويؤدي إلى نفرة قلوب الأفغان منك لأنهم يظنون أنك أتيت بدين جديد, هم لم يروا في حياتهم رجلا يحرك إصبعه بهذا الشكل, أو رجلا يضع يده على صدره, ولم يروا في حياتهم رجلا يجلس جلسة الإستراحة, فيظنون أنك أتيت بدين جديد, وهنا تكون النفرة, ولا تستطيع مواصلة

في الجهاد فقه واجتهاد · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في الجهاد فقه واجتهادص ١٩