(آل عمران: 021)
إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
(يوسف: 09)
قد يقول قائل الآن: الجهاد الأفغاني قد يهزم - مع أننا الحمد لله يوما بعد يوم نطمئن إلى النتائج وإلى النصرـ, ولنفرض أن الجهاد الأفغاني لم يقم الدولة الإسلامية التي كنا نظن, فالجهاد الأفغاني لن يهزم, لأنه انتصر حتى الآن ولو انتهى .. لو مسح الشعب الأفغاني فهو منتصر.
قصة أصحاب الأخدود .. أبيدوا جميعا , ولكنهم حققوا النصر في واقع الأمر, لماذا? لأنها تجربة رائدة لأصحاب العقائد للأجيال القادمة.
نحن الآن نتمثل بأصحاب الأخدود, ونقول: لماذا لا نصبر على عقيدتنا ونضحي من أجلها? وكما يقول الأستاذ سيد: إن النتيجة في واقع الأرض أو في حساب الأرض أسيفة أليمة, ولكنه انتصار .. انتصار الروح على الجسد .. انتصار المبادىء على أدوات القمع التي يستعملها الطغاة .. انتصار; أن الطغاة لم يستطيعوا أن يسيطروا على الأرواح, سيطروا على الأجساد فقط .. فالجهاد الأفغاني مهما كانت النتائج منتصر.
الان نحن هنا, هنا في (بكتيا) , في هذا المكان, في العرين والمأسدة, نتكلم عن الجهاد, هذا الكلام تلتهمه أجيال تنتظر وراءنا, الآن في العالم الإسلامي تجد بعض الأسر تفتح (الجهاد) أو (البنيان المرصوص) , تتتلمذ عليها, وتتربى عليها.
أحد الإخوة- قادم من اليونان- قلت له: تصلكم مجلة الجهاد? قال: نقرأها حرفا حرفا , ونحفظ بعضها غيبا , تأتينا خمسة أعداد يتداولها مائتا شاب .. مائتا شاب! ونكاد نحفظها عن ظهر قلب.
الأمة متعطشة للجهاد .. تريد أن تجاهد, لكن الواقع فوق رأسها ثقيل, ركام ثقيل, ركام القرون, ركام النوم الطويل, ركام تبلد الحس, ركام التخدير, ركام التثبيط, ركام; أنهم ما عاد في ذهنهم صورة مسلم شيخ في أرض المعركة, انتهت هذه من أذهانهم .. الشيخ وظيفته أن يذهب إلى المسجد ويخطب يوم الجمعة بما فتح الله عليه ثم يردد المجتمع ما تكلمه الشيخ إلى الاسبوع القادم, ويؤلف الشيخ بكلمات رنانة وخطب طنانة .. كلمة قوية بسبكها وحبكها, ثم يلقيها على الجمهور, أما أن يروا هذا الشيخ في أرض المعركة .. ?! .. هذا ما رأوه .. ما رأت الأجيال هذا; أن يروا الأستاذ الذي في المدرسة يترك المدرسة ويذهب إلى أرض المعركة! , ما رأوا, أن يروا مدير الشركة يترك الشركة ويذهب إلى أرض المعركة, هذا لم يروه .. إنهم تربوا على أن هؤلاء وجودهم هنا أعظم فائدة من الرباط والهجرة والجهاد في سبيل الله, هكذا يتربون .. نفس الخط .. نفس المعالم .. نفس العقيدة نسخت في أذهان الناس, بل لم يعد المسلمون يطيقون رؤية الحق الذي كان قديما مشرقا.
عندما يرون إنسانا يترك وظيفته وينفر إلى الجهاد أحسنهم حالا من يقول: "إنه غير متعقل" أو "إنه متهور" أو "متسرع" أو غيرها من الكلمات, "إنه عاطفي, إنه طيب زيادة عن اللزوم", ومن هذا الكلام .. وأصبحت الطيبة, وأصبحت الإستجابة لنداء الله عزوجل معرة وعيبا يعاب بها الدعاة.
يا أيها الإخوة: يجب أن نفهم قضايا هي تعتبر بديهيات, ولكنها غابت عن أذهان المسلمين:
القضية الأولى:
أن الجهاد فريضة كالصلاة, فريضة العمر والحياة, كما أن الصلاة لا تسقط عن امرىء مسلم إلا إذا كان لا يستطيع أن يحرك عينيه, كذلك الجهاد لا يسقط إلا إذا نزعت الروح منه.
ليس الجهاد خاصا بأفغانستان, الجهاد مستمر, افرض حر رنا أفغانستان- إن شاء الله- وقامت الدولة الإسلامية, يجب أن ننتقل إلى مكان آخر, لأن الجهاد كالصلاة والصوم, فكما أنه لا يجوز لك أن تعتذر عند رب العالمين, تقول له: صمت العام الماضي فأنا أفطر هذا العام, كذلك لا يجوز لك أن تعتذر عند الله أن تقول: أنا جاهدت في أفغانستان, ولذلك اعذرني أن لا أجاهد في الفلبين أو في فلسطين أو في لبنان أو غيرها .. فريضة العمر .. يجب أن تبحث عن أىة بقعة تؤدي فيها الفريضة, وتعبد الله فيها, لا تنتهي حتى تموت.
القضية الثانية:
أن الأمة كلها واقعة في الإثم ما دامت بقعة من أراضي المسلمين في يد أعدائها, ولن تخلص رقاب المسلمين من الإثم حتى تحرر الأرض, ولن يخلص أحد من الإثم إلا الذين نفروا في سبيل الله, هذه قضية ثانية, وأن فرضية العين بالنفس قد بدأت منذ سقوط الأندلس, واستمرت إلى يومنا هذا, وستبقى مستمرة- فرضية العين- إلى أن نعيد تحرير كل بقعة كانت إسلامية في يوم من الأيام, والذي لا يجاهد آثم يلقى الله مضيعا لفرض من الفرائض, لكن الناس صاروا يعتبرون الذي يفطر في رمضان رجلا فاسقا فاجرا , يقول لك: تصو ر أنه يفطر في رمضان, ولا يدرون أن تارك الجهاد أشد إثما من الذي يفطر في رمضان, لا يدرون .. عقولهم وقلوبهم لا تتقبل هذا.
شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ليس أوجب بعد الإيمان من دفعه .. أولا (لا إله إلا الله) ثم دفع الكافر, قبل الصلاة .. ليس أوجب بعد الإيمان من دفعه, ويجب على كل من سمع بهذا أن ينفر مع المشي والركوب, مع القلة والكثرة, مع الخفة والثقل, ممكن "الخفة", "الثقل"; ما نص عليه ابن تيمية, أما مع المشي والركوب .. مع القلة والكثرة, نص عليها ابن تيمية, يعني: أنت يجب أن تأتي من القاهرة مشيا إلى أفغانستان إذا لم يكن معك ثمن التذكرة .. مع المشي.
القرطبي يقول: (كل من علم بضعف المسلمين وظن أنه يدركهم وجب عليه غياثهم).
ثمان سنوات- يا جماعة- والطاحون يطحن, والطاحون يسحق, مفارم لحم, مفارم (البلوبيف) ويوضع فيها الأفغان, يفرمون فرما , والمسلمون لا غ ي رة لديهم ولا نكير.
ثمان سنوات .. فنحن يجب أن نتذكر أن الجهاد فريضة بالنفس, وأن دفع المال لا يغني, ولم يعذر رسول الله ص يوم تبوك أحدا , ولم يعذر رب العزة أحدا , وعندما تخلف ثلاثة من ثلاثين ألفا قاطعهم المجتمع خمسين يوما حتى أزواجهم.
فهي فريضة بالنفس, ما أعفي عثمان, وإن جهز جيش العسرة .. ما أعفي أبو بكر رضي الله عنهم جميعا , وقد قدم كل ماله .. ما أعفى من الخروج, ما قال له الرسول ص: أنت ابق تاجر في المدينة, ونحن نسد عنك, هؤلاء: بلال, عمار, الفقراء وغيرهم, يسدون إن ماتوا لا يهم, أما أنت .. تاجر كبير, ابق هنا على تجارتك, ما قال هذا, لا يعذر يا جماعة, يجب أن تتصوروا أن العبادة البدنية لا يسد عنها المال.
الآن الصلاة- صلاة العشاء- لو قلت: أنا تعبان, يعني ثقيل على نفسي أن أخرج أتوضأ الآن وأصلي أربع ركعات, ناديت واحدا أفغانيا: أنت فقير خذ هذه ألف روبية بدل صلاة العشاء, هل يقبل رب العزة, لو دفعت ملء الأرض ذهبا هل تسد عن صلاة العشاء?! لا تسد .. هذه عبادة بدنية وأنت قادر على الصوم, هل يقبل منك أن تدفع مالا ?! لا يقبل .. أنت قادر على الحج, هل يقبل منك