تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى مسلم (إن الله زوى لي الأرض شرقها وغربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها) (2) [رواه مسلم]. سينتصر هذا الدين.

الباعث على الجهاد:

والجهاد والقتال كلمتان مترادفتان في هذا الدين .. وكلمة الجهاد إذا أطلقت في الكتاب والسنة غالبا تعني القتال في سبيل الله, وما أطلقت كلمة الجهاد على لسان رسول الله ص في الأحاديث المدنية إلا وهو يعني بها شيئا واحدا -القتال في سبيل الله- وفي القرآن قل ما تجد موضعا من المواضع ذكرت فيه كلمة الجهاد إلا وهي تعني القتال في سبيل الله, ورأيت مكانا في القرآن الكريم يتكلم فيه رب العزة عن القرآن.

وجاهدهم به جهادا كبيرا

(الفرقان: 25)

هنا تبليغ القرآن للناس من خلال الجهاد الذي يكلف كثيرا في النفس والمال والمشقة والضنى والعرق والدم وغير ذلك.

إذن باعث الجهاد في سبيل الله واحد حدده القرآن الكريم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله , وحدده رسول الله ص وهو ي سأل كما ورد في الصحيحين عن (الرجل يقاتل حمية, والرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليرى مكانه في الحرب فأي ذلك في سبيل الله? قال ص: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (3) [رواه البخاري ومسلم].

وقد ورد في الصحيحين حديث تهتز له الأوصال وترتجف له القلوب .. يبين أن أول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاثة أصناف ... رجل قاتل, والثاني رجل انفق ماله, والثالث عالم .. قال: أما المقاتل فيسأله رب العزة ماذا صنعت? أو كما قال ص .. فيقول قاتلت في سبيلك حتى قتلت, فيقال له كذبت; قاتلت ليقال عنك جريء, وقد قيل, فأخذت أجرك في الدنيا, فيؤمر به فيلقى في النار.

والأحاديث في هذا الباب كثيرة .. وكثيرة جدا , وهي تركز على تمحص النية خالصة لوجه الله الكريم وأن الباعث يجب أن يكون صادقا خالصا لتكون كلمة الله هي العليا, الأحاديث كثيرة, والاحاديث التي أذكرها كلها صحيحة, وإن شاء الله لا أستشهد لكم بحديث إلا صحيحا أو حسنا.

عن عبادة بن الصامت مرفوعا: (من غزا في سبيل الله وهو لا ينوي في غزاته إلاعقالا -رباط ركبة البعير أو غيره- فله ما نوى) (4) [انظر صحيح الجامع الصغير رقم 6401]. الحديث صححه الحاكم وأقره الذهبي عليه ورواه أحمد, وعن أبي هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله; رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا, فقال النبي ص: (لا أجر له) فأعظم ذلك الناس وقالوا للرجل عد لرسول الله ص فلعلك لم تفهمه .. فقال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا, قال: (لا أجر له) , فقالوا للرجل ع د لرسول الله ص, فقال له الثالثة (لا أجر له) (5) [رواه ابن حبان في صحيحه .. راجع الترغيب والترهيب للمنذري 2/ 296]. رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وعن عبد الله الديلمي أن يعلى بن منبه قال: آذن رسول الله ص بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم فالتمست أجير ا يكفيني وأجري له سهمه فوجدت رجلا , فلما دنا الرحيل أتاني فقال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي, فس م لي شيئا كان السهم أو لم يكن فسميت له ثلاثة دنانير, فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير فجئت النبي ص فذكرت له أمره فقال ص وسلم: (ما أجد في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سم ى) (6) [صحيح الجامع الصغير رقم 5511]. أخرجه أحمد وأبو داود وسكت عليه والمنذري وسنده جيد, وهذه الأحاديث في هذا الباب كثيرة إنما أجتزأت منها هذه الأحاديث التي ذكرتها.

الجهاد بالنفس والمال:

وأنا إذ أذكر هذا تعقيبا على خطبتي في الأسبوع قبل السابق; قلت فيها: هذا الجهاد الذي شر فنا الله به, وأكرمنا بمواكبته, وأعزنا بخدمته, فرض عين على كل قادم إليه, فرض عين على كل قادر عليه, ولذلك يجب على الإنسان المسلم الآن في الارض كلها أن يجاهد في هذا الجهاد ليس شرطا في أفغانستان .. بل في فلسطين .. وفي الفلبين .. وفي أي مكان يستطيع أن يمتشق سلاحه وينتضل حسامه, ويخترق سهمه, ... لا بد أن يخرج إلى الجهاد فهو فرض عليه, فرض عليه بالنفس وفرض عليه بالمال, فكما أنك قدمت لتجاهد بنفسك في سبيل الله; كذلك فرض عليك أن تجاهد بمالك في سبيل الله, والذي يجاهد بنفسه فقط إنما يؤدي فرض العين في حق نفسه, ويترك فرض العين في حق ماله, وهذه الفريضة واجبة عليك وجوبا عينيا حتى تطمئن أن أهل فلسطين الذين تستطيع أن تصل إليهم وتدركهم وتسعفهم قد اكتفوا من الرجال والمال, وأن أهل أفغانستان الذين تستطيع أن تدركهم وأن تنفذ إليهم وأن تعينهم; يبقى الفرض عليك فرض عين لا يسقط أبدا إلا في حالة واحدة: إذا إطمأنت نفسك أن هذا الجهاد قد اكتفى مالا ونفسا , أما ولم يحضر في الصف الرجال الذين يكفون للإجهاز على الشيوعية وللإطاحة بعرش نجيب, فالجهاد فرض عين عليك حتى تسقط الشيوعية في أفغانستان بنفسك ومالك.

تحريم أخذ الأجرة:

وما دام الجهاد فرض عين بالنفس فلا يجوز مقابل ذلك أن تأخذ أجرا عليه لأنه لا يجوز لك أن تصلي وتقول للناس أنا لا أصلي إلا إذا دفعتم لي أجرا , ولا يجوز لك أن تقول للناس أنا لا أصوم إلا إذا دفعتم لي أجرا ; وبشرط أن يكون الأجر عن كل يوم في الصيام مئة دولار فإذا أنقصت هذه عشر دولارات فإني سأفطر في رمضان, هذا لا يقول به عاقل من المسلمين فضلا عن أن يقول به أئمة الذكر من الصادقين الذين يبينون هذا الدين لهذه الامة. ولذا لا يجوز لأحد أبدا أن يأخذ أجرا على جهاده وإلا فكما جاء في الحديث (ليس له من غزاته هذه في الدنيا ولا في الاخرة إلا دنانيره التي سمى) (7) [انظر صحيح الجامع الصغير رقم 5511 بلفظ "ما اجد ... "

ومن هنا قال محمد بن الحسن -ووافقه الشافعي وغيره- أن العقد -عقد الأجرة- للجهاد بالنسبة للمسلم الحر العاقل البالغ عقد باطل لا ينفذ أبدا , والعقد الباطل هو: العقد الذي لا تلحقه الإجازة ولا التصحيح, فهو منفسخ أصلا , لم يكن له أي أثر ولا ينتج أية نتيجة, فإذا عقدت عقدا مع رجل أنك تجاهد في سبيل الله مقابل أجر شهري ثلاثمائة دولار أو أربعمائة دولار فهذا عقد باطل, يحق للرجل ألا يعطيك شيئا منه; لأن الجهاد فرض عين ولا تدفع الأجور لفروض الاعيان.

جواز أخذ؛ الجعل «:

وهنا يتبادر إلى الأذهان: إذن, كيف نحن نأخذ أجورا ونحن نجاهد في سبيل الله? هذه ليست أجورا إنما هي (جعول) و (الجعل) جائز في سبيل الله (للغازي أجره وللجاعل أجره وأجر الغازي) , والجعل ما يجعله أحد بمحض إرادته لك, يجوز لك أن تأخذه بشرط واحد: أن تكون محتاجا.

أقوال العلماء:

يقول (العيني) -شارح البخاريـ: إن الجهاد حق الله تعالى ولا يجوز أخذ الأجرة عليه, فإذا تمحض أجره يعني "إذا كان العمل فقط المجئ للأجرة" كان حراما والحرام لا يجوز أبدا الإنتفاع به, فهو مال خبيث, سبيله الصدقة في سبيل الله ولا يجوز أكله ولا الإنتفاع به, وإذا أشبه الأجرة كان إلى الحرام أقرب.

في الجهاد فقه واجتهاد · الصفحة ٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في الجهاد فقه واجتهادص ٥١