والقتال قائم على الحماس واستثارة العاطفة وتحريك العزائم واستنهاض الهمم وغليان الدم, وقد ورد في الحديث الصحيح عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه, أنه سأل رسول الله ص (فيما نزل من الشعر وذمه, فقال رسول الله ص: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه, والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل) (2) [حديث صحيح رواه أحمد وغيره .. انظر مشكاة المصابيح رقم 4795]. وقد وردت عدة روايات في الصحيح أن رسول الله ص قال لحسان (إهجهم وروح القدس "أي جبريل" معك) (3) [رواه البخاري ومسلم]. وقد روى عمر رضي الله عنه أنه قال عندما وج ه الجيش إلى القادسية: لا تدعوا شاعرا ولا خطيبا ولا كبير قوم إلا وأخذتموه معكم, ولذا فقد حر م الإسلام اصطحاب المخذلين والمثبطين والمرجفين والمعوقين إلى المعركة.
جاء في نهاية المحتاج للرملي (60/ 8): ويسن للإمام أو نائبه منع المخذل والمرجف من الخروج وحضور الصف وإخراجه منه ما لم يخشى فتنه, بل يتجه وجوب ذلك عليه حيث غلب على ظنه حصول ذلك منه لأن بقاءه مضر بغيره.
وجاء في الإنصاف للبهوي الحنبلي ويلزم الإمام منع المخذل والمرجف ومن يكاتب بأخبار المسلمين ومن يرمي بينهم بالفتن ومن هو معروف بالنفاق والزندقة ومن خرج من هؤلاء وشهد الوقيعة وحضر المعركة فلا يسهم له كالرجال ولا يرضخ له كالنساء والأطفال من الغنائم والأنفال.
نظرتنا للجهاد الأفغاني:
أولا: أنه جهاد إسلامي, بدأت به الحركة الإسلامية مع بعض العلماء, والحركة الإسلامية قادها ابتداء ولا زال أناس معروفون بصفاء العقيدة ووضوح الجادة والتزام النهج السليم, وفي مقدمة هؤلاء, الأربعة الذين يشكلون مركز الثقل بالنسبة للجهاد الأفغاني, بل إن ما لا يقل عن (85%) من قوة الجهاد بأيديهم يوجهونها, وهم حسب ترتيب أعمارهم الشيخ يونس خالص, ورباني, وسياف, وحكمتيار, وقد تربى هؤلاء ابتداء على كتب الأستاذ المودودي وسيد قطب وابن تيمية وغيرها وحاربتهم الصوفية منذ البداية حربا شعواء يعرفها العامة والخاصة, وقد قام الجهاد منذ أول يوم لإقامة دين الله في الأرض وتأسيس دولة إسلامية قبل أن يدخل الروس إلى أفغانستان.
ثانيا: إن الجهاد الإسلامي في أفغانستان قد زلزل الأرض تحت أقدام الصوفية وهز وجودها وحطم أركانها, لأن الذين أخذوا بزمام المبادرة في أفغانستان ممن رضعوا كراهية الصوفية السلبية الإنعزالية, القائمة على "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله", فجاء قادة الجهاد هؤلاء وقالوا "إن ما لقيصر لله (وله من في السموات والأرض كل له قانتون).
ثالثا: إن الجهاد الآن في أفغانستان وفلسطين وفي كل أرض وطئها الكفار فرض عين بالنفس والمال, وهذا ما أفتى به كل من نعرف من القدماء وهذا ما أفتى به من المعاصرين من بقية السلف كفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين والشيخ الألباني والمطيعي وحسن أيوب وسعيد حوى وصلاح أبو إسماعيل وعبد المعز عبد الستار وعدد كبير لا أحصيهم عدا في هذا الموقف.
رابعا: إن الجهاد في أفغانستان الآن فرض عين بالنفس والمال ولا يحتاج إذن أحد, وهذا محل إجماع من المفسرين والمحدثين والفقهاء, ولم أر فيما أعلم كتابا تكلم في الفقه أو التفسير أو الحديث إلا ونص على هذه القضية, أن المرأة تخرج من غير إذن زوجها ولكن مع محرم, والولد دون إذن والده, والمدين دون إذن دائنه, والعبد دون إذن سيده.
يقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (607/ 4): فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا فلا حاجة لإذن أمير المؤمنين إنتهى كلام ابن تيمية.
فلا حاجة لإذن أمير المؤمنين ولو كان موجودا قائما حاضرا.
يقول ابن رشد: طاعته لازمه وإن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية, ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين, فإن لم يكن في الأمة أمير لا يفوت الجهاد ولا يؤخر.
يقول ابن قدامة في المغني: فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد, لأن مصلحته تفوت بتأخيره فمن كان عليه دين فلا يحل له أن يتعذر بالدين وليس له عذر أمام الله لأن الدين متعلق بالذمة والجهاد متعلق بالعين, أي بالنفس.
خامسا: إن جهاد الشعب الأفغاني جهاد إسلامي واضح الراية بي ن الجادة ضد إلحاد سافر وكفر بواح, والجهاد في أفغانستان حق على كل مسلم قادر حتى تندحر الشيوعية منه, وحكم الجهاد الأفغاني فرض عين كالصلاة والصوم لا يسع مسلما تركه كما نص على هذا علماء المذاهب, وإن كان بعض الحنابلة يرون تقديم الصلاة, لأن تركها كفر وترك الجهاد ليس كفرا.
يقول ابن عابدين الحنفي في حاشيته: وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا , بل إن العلماء يقدمون الجهاد على الصوم والحج في الفريضة أما الصوم: فهو معلوم لكل من لديه أدنى معرفة بالعلم أن الإفطار في رمضان مندوب لمن يخوضوا المعركة (إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا) (4) [رواه مسلم انظر مختصر مسلم رقم 601].
وعندما بلغه ص أن بعض الصحابة بقي صائما قال: (أولئك العصاة أولئك العصاة) , ونقل ابن رشد الإجماع على أن الجهاد إذا تعين مقدم على الحج, ويقول ابن تيمية: فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه أي إن أوجب الواجبات وأكبر الفرائض على المسلمين بعد التوحيد والإيمان: هو دفع العدو الذي يستولى على الأعراض والأموال ويهتكها ويسفك الدماء.
سادسا: لا فرق بين تارك الجهاد بالنفس وهو قادر وبين تارك الصلاة وهو قادر, وكما أن إثم الثاني لا يكفره إنفاق مال ولا إطعام طعام, كذلك إثم الأول وهو تارك الجهاد وهو قادر, إلا بأذن أمير الجهاد الذي في داخل أرض المعركة.
سابعا: إن الكرامات التى تنزلت على المسلمين في الجهاد الإسلامي في أفغانستان, علامات تبشر بأن هذا الجهاد إسلامي, كما قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز عندما قصصت عليه بعض الكرامات, بشرى خير تبشر بنصرهم بإذن الله, وهو تفسير لقوله عز وجل:
(وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم)
(الأنفال: 01)
يقول الشاطبي في الموافقات (85/ 4): تفيد الكرامات والخوارق لأصحابها يقينا وعلما بأن الله تعالى معهم فيما هم عليه, وكل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي, كما قرر أهل السنة والجماعة, وإن الكرامات التي كثرت في العصور المتأخرة عنها في العصور المتقدمة -كما هو في الجهاد الأفغاني- وذلك أن الكرامات لتثبيت الناس على الطريق الذي يسلكون ولكن ما للمتأخرين كرامة إلا للمتقدمين خير منها.
سئل الإمام أحمد بن حنبل: ما بال الصحابة لم ينقل عنهم من الكرامات ما نقل عن ما بعدهم? فقال: لقوة إيمانهم, يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوي (235/ 11): وخوارق العادات إنما تكون لأمة محمد ص المتبعين له ظاهرا وباطنا , لحجة أو حاجة, فما كان لحجة فهو لإقامة دين الله, والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي يقوم به دين الله, ولذا لما كان الصحابة رضوان الله عليهم مستغنين