تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماذا على الأئمة لو أخلصوا النصح لمن يستنصحهم بالخروج في سبيل الله? لحماية دين الله بالدم والروح, إلى متى يبق الشباب بعيدا عن أرض الجهاد? إلى متى هؤلاء الفتية الذين تضطرم أفئدتهم نارا ويتفجرون حماسا ويلتهبون غيرة لتسقى تربة المسلمين بدمهم الطاهر? هؤلاء الشباب لا بد أن ي دفعوا دفعا وأن ي حرضوا ويشجعوا إلى أرض النزال وساحة الأبطال, إن الذي ينهى شابا عن الجهاد لا يفترق عن الذي ينهاه عن الصلاة والصوم, أما يخشى الذي ينهى عن الجهاد أن يدخل -ولو بطريقة غير مباشرة- تحت المعنى العام للآية الكريمة:

(أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى)

(العلق: 9ـ01)

تحريض مستمر:

ماذا على الأمهات لو قدمت الواحدة منهن أحد أبنائها في سبيل الله يكون عزا لها في الدنيا وذخرا لها في الآخرة بالشفاعة? ماذا على الآباء لو دفعوا بأحد أبنائهم ليشب في مصانع الأبطال وميادين الرجال وساحات النزال? وليهب أحدهم; أن الله خلقه عقيما فمن شكر النعمة أن يؤدي زكاة أولاده شكرا لربه, أنفس هو خالقها, وأموال هو رازقها, فلم البخل على رب العالمين? البخل على المالك بما يملك مع العقيدة الراسخة بأنه (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها).

ماذا على المسلمين لو سطروا في صحائف أعمالهم وديوان حسناتهم أياما من الرباط وساعات من القتال? وقد ثبت في الحديث الصحيح رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وفي الحديث الحسن رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل يقام ليلها ويصام نهارها وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي في صحيح الجامع (3054) قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله خير من قيام ستين سنة.

يا إخوة الإسلام: أقبلوا لحماية دينكم ونصرة ربكم وإعلاء سنة نبيكم.

أيها الأخ الحبيب: إمتشق حسامك واعل صهوة جوادك وامسح العار عن أمتك إن لم يقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن?.

أيها الأخ الكريم:

طال المنام على الهوان ... فأين زمجرة الأسود

واستنسرت فئة البغاث ... ونحن في ذل العبيد

ذل العبيد من الخنوع ... وليس من زرد الحديد

فيا خيل الله اركبي.

أيها الأخ العزيز:

(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)

(يوسف: 111)

فقصة بخارى الدامية ورواية فلسطين الجريحة وعدن المحترقة والأوجادين الأسيرة وأحاديث الأندلس الأسيفة الأليمة خير عبرة لنا, فهل نعتبر فيما مضى قبل فوات الأوان; أم تجري علينا السنن ونحن نتجرع الهوان ونندثر كما اندثروا ونضيع كما ضاعوا, ونحن نأمل من الله أن يندحر الروس في أفغانستان ويعودوا على أعقابهم خائبين خاسرين, وإن كانت الأخرى فليت شعري أي داهية تحل بالمسلمين?.

فقد روى أبو داود باسناد قوي عن أبي أمامة مرفوعا من لم يغزو أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة.

(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)

(ق: 73)

الخلاصة:

وخلاصة رأينا بالنسبة للجهاد الآن:

أولا: إذا دخل العدو أرض المسلمين يصبح الجهاد فرض عين عند جميع الفقهاء والمفسرين والمحدثين.

ثانيا: إذا أصبح الجهاد فرض عين فلا فرق بينه وبين الصلاة والصوم عند الأئمة الثلاث, أما بعض الحنابلة فيقدمون الصلاة على الجهاد.

جاء في بلغة السالك لأقرب المسالك في مذهب الإمام مالك: الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالى كل سنة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ويتعين أي يصير فرض عين كالصلاة والصوم بتعيين الإمام وبهجوم العدو على محلة قوم.

وجاء في مجمع الأنهر في المذهب الحنفي: فإذا لم تقع الكفاية إلا بجميع الناس فحينئذ صار فرض عين كالصلاة.

وجاء في حاشية ابن عابدين الحنفي (3/ 832): وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين كالصلاة والصوم ولا يسعهم تركه.

ثالثا: إذا أصبح الجهاد فرض عين فلا إذن للوالدين كما لا يستأذن الوالدان في أداء فريضة الصبح أو صيام رمضان.

رابعا: لا فرق بين تارك الجهاد بدون عذر إذا تعين (أي صار فرض عين) وبين مفطر رمضان بدون عذر.

خامسا: لا يغني دفع المال عن الجهاد بالنفس مهما كان المبلغ الذي دفع, ولا يسقط فريضة الجهاد اللازمة في عنقه, فكما أنه لا يجوز أن يدفع مبلغا من المال لفقير حتى يصوم عنه مع أنه صحيح أو يصلي فكذلك الجهاد بالنفس.

سادسا: الجهاد فريضة العمر كالصلاة والصوم, فكما أنه لا يجوز أن يصوم عاما ويفطر عاما أو يصلي يوما ويترك آخر, فكذلك الجهاد لا يجوز أن يجاهد سنة ويترك سنوات قدر طاقته.

(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)

(البقرة: 682)

سابعا: إن الجهاد الآن فرض عين بالنفس والمال في كل مكان استولى عليه الكفار, ويبقى فرض عين مستمرا حتى تتحرر كل بقعة في الأرض كانت في يوم من الأيام إسلامية.

ثامنا: إن كلمة الجهاد إذا أطلقت إنما تعني القتال بالسلاح كما قال ابن رشد وعليه اتفق الأئمة الأربعة.

تاسعا: إن المتبادر من كلمة في سبيل الله هو الجهاد كما قال ابن حجر في الفتح (6/ 32).

عاشرا: إن قولهم رجعنا من الجهاد الأصغر -القتال- إلى الجهاد الأكبر -جهاد النفس- الذي يرددونه على أساس أنه حديث, هو حديث باطل موضوع لا أصل له, وإنما هو من قول إبراهيم بن أبي عبلة أحد التابعين وهو مخالف للنصوص والواقع.

في الجهاد فقه واجتهاد · الصفحة ٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في الجهاد فقه واجتهادص ٧٨