تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أمر النبي صلى وسلم بنصر المسلم وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن, وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب, كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد, ونصوص فقهاء المذاهب الأربعة صريحة قاطعة بهذا, لا تحتمل تأويلا ولا لبسا ولا غموضا.

يقول ابن عابدين الحنفي في حاشيته (3/ 832): وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام فيصير فرض عين على من قرب منه فأما من ورائه ببعد عن العدو فهو فرض كفاية إذا لم ي حتج إليه فإن إحتيج إليهم بأن عجز من كان قرب العدو عن المقاومة مع العدو, أو لم يعجزوا عنها ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم ولا يسعهم تركه, وثم وثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا على هذا التدريج.

وبمثل هذا النص الواضح الجلي أفتى الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع (7/ 27) وابن نجيم الحنفي في البحر الرائق وابن الهمام في فتح القدير وكلهم من الحنفية, وراجع إن شئت حاشية الدسوقي المالكي (3/ 71) ونهاية المحتاج للرملي الشافعي (8/ 85) والمغني لابن قدامة الحنبلي (8/ 543).

ولعل بعض الناس يجدون مبررا لأنفسهم; بأن كثيرا من الأفغان ليسوا على المستوى الإسلامي المقبول من التربية ويعذرون أنفسهم بالقعود بسبب بعض المخالفات ولكن الرد على هذا: بأن الفقهاء نصوا على أنه يجب الجهاد ولو مع عسكر كثير الفجور وهذا من أصول أهل السنة والجماعة (الغزو مع كل بر وفاجر) كما يقول ابن تيمية في المجلد الثامن والعشرين صفحة (605) وهذا من أصول أهل السنة والجماعة (الغزو مع كل بر وفاجر) فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم, وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديما وحديثا وهي واجبة على كل مكلف, وعدم الغزو مع الأمراء ولو كانوا فجارا أو مع معسكر كثير الفجور هو مسلك الحرورية الخوارج وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشيء عن قلة العلم -أنظر مجموع الفتاوىـ.

أولوية الجهاد:

وبعض الناس يعذرون أنفسهم بأن مكانهم في بلدهم ضروري للتربية والتعليم ونحن نورد لهم قول الزهري, خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنك عليل فقال: إستنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.

أي الناس منزلته وعلمه يداني منزلة سيد التابعين ووارث علم النبوة عن طريق صهره والد زوجته أبي هريرة رضي الله عنه? لقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين واشتد الأمر على المسلمين فمتى النفير وإلى متى القرار?! فإن كان الفقهاء يفتون كما جاء في البزازية: إمرأة سبيت في المشرق وجب على أهل المغرب تخليصها, فماذا يفتي علمائنا بآلاف من العواتق تنتهك أعراضهن في خدورهن? ماذا يجيبون في النساء اللواتي يلقين بأنفسهن في نهر كنر في لغمان فرارا بأعراضهن من الإنتهاك على يد الجنود الحمر? ولأن المرأة لا يجوز لها باتفاق العلماء; أن تستسلم للأسر إذا خشيت على عرضها.

أو ما تخشون أن تدور الدوائر عليكم ويصل الأمر إلى أعراضكم? ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود بإسناد حسن كما جاء في صحيح الجامع للألباني (6655) , ما من امرؤ يخذل إمرء مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته, وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته فاتقوا الله في أعراضكم.

قال حبان بن موسى: خرجنا مع ابن المبارك مرابطين إلى الشام فل ما نظر إلى ما فيه القوم من التعبد والغزو والسرايا كل يوم التفت إلي وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون, على أعمار أفنيناها وليال وأيام قطعناها في علم الخلية والبرية (أي كنايات الطلاق) وتركنا ههنا أبواب الجنة مفتوحة.

هذا ابن المبارك الذي كان يرابط شهرين أو أكثر في السنة يضع تجارته ومجالس حديثه ويخرج للرباط, يبكي لأنه لم يرابط طيلة عمره وانشغل بالعلم عن الرباط.

ماذا يقول الذين لم يطلقوا طلقة واحدة في سبيل الله?! إذا كان مرض الموت الذي ألم برسول الله ص لم يشغله عن تذكير الصحابة بإنفاذ بعث أسامة -رضي الله عنه- وعندما حاول أبو بكر الصديق; أن ينفذ بعث أسامة حاول الصحابة أن يثنوه عن عزمه فقال كلمته المشهورة: والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي ص ما رددت جيشا وجهه رسول الله ص ولا حللت لواء عقده رسول الله ص, ويشاء الله أن تكون آخر وصايا صاحب رسول الله ص في حث الناس على الجهاد; إذ يستدعي أبو بكر عمر في آخر ساعات حياته قائلا: (إسمع يا عمر أقول لك ثم أعمل به: إني لأرجو أن أموت من يومي هذا -وذلك يوم الاثنين- فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنى وإن تأخرت إلى الليل فلا تصبحن حتى تندب الناس مع المثنى ولا يشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم, وقد رأيتني متوفى رسول الله ص وما صنعت ولم ي صب الخلق بمثله وباللهلله لو أني تأخرت عن أمر الله وأمر رسوله لخذلنا الله ولعاقبنا فأضرمت المدينة نارا) حياة الصحابة (1/ 144).

فلقد أدرك أبو بكر خير الناس بعد النبي ص; أن التأخر في تنفيذ أمر الله وأمر رسوله ص بالنفير إلى الجهاد عاقبته الخذلان ومآله الخسران, هذا كتاب الله يحكم بيننا وهذه سنة رسوله ص ناطقة, شاهدة علينا, وهذا هدي أصحابه في فهمهم لأهمية الجهاد في هذا الدين فهل لنا من تعقيب على هذه النصوص المتواترة المتوافرة الناصعة الجلية القاطعة?.

لقد وصل اللص إلى داخل خدور المؤمنات فهل ندعه ينتهك الأعراض ويمسخ القيم ويجتث المبادىء?.

رب وامعتصماه انطلقت ... ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها ... لم تلامس نخوة المعتصم

أين المخلصون?

لقد أخذ الروس مائتين وخسمة آلاف من أطفال المسلمين الأفغان لتربيتهم على العقيدة الشيوعية ولغرس الإلحاد في أعماقهم, وقرر الأمريكان فتح ستمائة مدرسة وتعهد مائة وخمسة آلاف من أطفال الأفغان في الداخل والخارج بالتربية والتعليم, أين دعاة الإسلام? وأين المربون المسلمون? ماذا أعدوا لإنقاذ الجيل المسلم ومن أجل رعاية هذا الجهاد المبارك العظيم? لقد نص الفقهاء على; أن بلاد المسلمين كالبلد الواحد, فأي بقعة من بقاع المسلمين تعرضت لخطر وجب أن يتداعى جسد الأمة الإسلامية كلها لحماية هذا الشلو الذي تعرض لغزو الجراثيم, ماذا على العلماء لو حرضوا الشباب على الجهاد? سيما التحريض فرض (وحرض المؤمنين) , ماذا على الدعاة لو خصصوا سنة من حياتهم بالعيش بين المجاهدين يوجهون ويرشدون? ماذا على طلاب الجامعة لو أجلوا سنة من دراساتهم لينالوا شرف الجهاد, وليسهموا بأنفسهم في إقامة دين الله?!.

(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون, لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون)

(التوبة: 78ـ88)

في الجهاد فقه واجتهاد · الصفحة ٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في الجهاد فقه واجتهادص ٧٧