الأسري فقامت كل أسرة تحمي أفرادها من عذاب أهل مكة [*هذه الفقرة مقتبسة معناها -والله أعلم- من كلام سيد قطب، أنظر إلى تفسير قوله تعالى (الم تى إلى الذين قيل له كفوا أيديكم) في ظلال القرآن المجلد الثاني].
كان أبو طالب قد تكفل بحماية إبن أخيه ولو كان القتال واجبا لوجب أن يقتله علي، علي يجب أن يقتل أبا طالب، لأن القتال واجب، فالله عز وجل لحكمة يريدها ويعلمها منع القتال في داخل مكة أو لأن الله عز وجل يعلم أن البيئة العربية فيها من النخوة والمروءة ما يجعلها تثور إذا رأت مظلوما خاصة إذا كان المظلوم من أبنائها، هذه النخوة تكفل حماية الدعاة إلى حد ما ليبلغوا، فكل مؤمن في وقت الشدة كان يدخل في جوار أحد أقاربه وحتى رسول الله ص عندما اشتد إيذاء مكة خرج إلى الطائف وعرض نفسه على أهل الطائف فآذوه وأغروا به سفهائهم وتابعوه حتى أدموا عقبيه الشريفتين وقال لأهل الطائف: وقد صدوه هذا الصد وردوه هذا الرد المنكر ألا يبيحوا بما حصل لأهل مكة فسبق الخبر لأهل مكة فلم يستطع رسول الله صلى أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، والمطعم هذا الذي أدخله في جواره الرسول ص ما نسي له هذه المكرمة فقال يوم بدر: بعد أن أسر الأسرى السبعين قال: لو كان المطعم بن عدي حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لجعلتهم له، يعني لو كان المطعم ابن عدي لا زال حيا وكلمني في هؤلاء الأسرى لتركتهم له وفاء، لأن الإسلام يحفظ الجميل، الإسلام كله وفاء، وكله إنسانية، وكله صلات خير طيبه.
عثمان بن مظعون كان في جوار خاله الوليد بن المغيرة، فعندما رآى إخوانه يعذبون قال: يا خال أرد عليك جوارك قال: لا، أنا أجرتك في فناء الكعبة فرد علي جواري في فناء الكعبة، لأن إيذائك عار لي قبل أن ترد جواري، فرد جواره أمام زعماء مكة، والقصة معروفة أن عثمان بن مظعون بعد أن رد الجوار -الجوار يعني: الحماية- جلس وكان لبيد جالسا في نادي قريش يقول الشعر فقال:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
قال عثمان: صدقت، قال:
وكل نعي-----م لا محالة زائ---------ل
قال عثمان: كذبت. فإن نعيم الجنة لا يزول، فغضب لبيد قال: يا معشر قريش من متى يتجرأ هؤلاء السفهاء على مجالسكم? فقاموا إليه ولا زالوا يلكمونه ويضربونه حتى اخضلت عينه بالدم. قال الوليد: يا ابن أختي والله لقد كانت عينك هذه في غنى عما أصابها. قال: والله إن عيني الأخرى بحاجة إلى ما أصاب أختها.
ض---رورة الإبت----------لاء:
الحقيقة كانت المرحلة المكية مرحلة تربية النماذج، مرحلة النفوس تتربى فيها في داخل نار الإبتلاء، فرن، موجودين في فرن إسمه فرن الإبتلاء، والحديد عادة عندما يريدون طرقه وتحويله إلى قضبان وإلى جسور يدخلونه في النار ليحمى وعندما يحمى يكون مطاوعا للت شكل، وهو بارد لا يستطيعون الطرق عليه، لكن عندما يكون حارا يطرقونه، كذلك النفوس البشرية عندما يريد سبحانه أن يغير مساربها والتواءاتها ويقيمها على الجادة لا بد أن يسخنها حتى تكون مطاوعة للطرق، سهلة التحول فتوضع في الفرن، فرن المحنة، فرن الإبتلاء، فرن الشدة، فرن الإيذاء. عندما تسخن النفس تحت مطارق الإبتلاء عندها ينزل التوجيه فتتلقى وتستجيب وتتجه الوجهة التي يريدها الله عز وجل.
ولذلك يستحيل أن تتربى النفوس البشرية وهي باردة لا بد من أن تسخن، والسخونة لا تأتيها إلا من الإبتلاء: إبتلاء الجوع، إبتلاء الأسر، إبتلاء السجن، إبتلاء قذائف الطائرات، إبتلاء وجود قائد لا يفهم عليك ولا تفهم عليه، إبتلاء وجود مجاهدين حولك واحد يدخن واحد يحشش واحد ينسور واحد بسبب ضيق الحال يخدعك ويأخذ مالك، لأنه لا يمكن مجتمع أن يكون مائة في المائة نظيف فلا بد أن يكون فيه التواءات من هنا، وناس خارجين عن الجادة من هنا ناس ضعاف الإيمان، هؤلاء يتعبونك وخاصة إذا كنت لا تعرف لغتهم، لا تعرف بيئتهم، لا تعرف تضاريس بلادهم، حذائك تمزق لا بد أن تمشي على الجليد لأن القافلة ماشية، أصابعك تسقط، أظافرك تسقط، الكمائن تواجهك. هذه المحن تسخن نفسك السخونة.
هنا إقرأ آيات التوبة وآيات الأنفال تفهم معاني آيات الجهاد، أما وأنت جالس فوق السجاد العجمي والمكيف شغال واللحم موجود والصنوبر والفواكه أشكال والمرسيدس (500 SEL) والعمارة والمرأة الجميلة كيف تفهم آيات الجهاد?! لن تفهم، والله لن تستطيع أن تفهم هذا، مرة في جدة أممتهم في صلاة المغرب أو صلاة العشاء قرأت آيات القتال ما استطعمت فيها، أصلا أتكلم مع من? ناس وهم يصلون وراءك مشغول، مشغول في العقد الفلاني في الشركة الفلانية في العطاء، في العلاوة، في ما إلى ذلك ... هذا كيف يفهم عليك?! صعب جدا ولذلك أنت لا تستطعم بآيات الجهاد، في المجتمعات الراكدة وكل المجتمعات العربية مجتمعات راكدة فماذا تكلمه? لهقرأت أظن:
(انفروا خفافا وثقالا)
(التوبة: 14)
فأقول يعني كأني أقول لولد صغير في الصف الأول الإبتدائي، حل لنا مسألة الجبر من ثلاث مجاهيل، أو حل لنا هذه المسألة الرياضية من الدرجة الثانية، أو حل لنا المسألة الهندسية على نظرية فيثاغورس، أو أخرج جتا زاوية ثلاثين إخرج لي إياها من اللوغريتمات كيف يفهم هذا، ولد صغير عمره في الصف الأول لا زال لا يعرف لا راس ولا روس ولا تاء كيف تطلب منه هذه الطلبات?! فالنفوس تحتاج أن تترقى حتى تفهم عليك، تفهم ماذا تقول، فآيات الجهاد ما نزلت في مكة لأنها لو نزلت في مكة لا يعرف الناس لماذا يجاهدون قبل أن تتربى نفوسهم قبل أن تصقل أرواحهم، قبل أن يسموا مع هذا الدين، قبل عملية التنظيف في الحمام، الحمام التركي هذا، والحمام التركي ماء ساخن كثير وصابون كثير لا تترك وسخ أبدا والحمام التركي في الإسلام هو محنة الإبتلاء، محنة؛ لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يدعه يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة «
ال-ن--ص--ر ب-ع----د ال-م-ح-ن-------ه:
(ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلكم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين)
(العنكبوت: 1 - 6)
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة -أتظنون أنكم ستدخلون الجنة- ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم -ولما: يعني قبل- مستهم البأساء والضراء وزلزلوا -مرض، شدة، حرب، فقر- وزلزلوا -نفوسهم تهتز بسبب الأهوال بسبب الشدة- حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب).
بعد المحنة وبعد الشدة وبعد الإبتلاء نصر الله قريب والجنة تدخلونها، أما قبل هذا لا جنة ولا نصر ..
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين).
(آل عمران: 241)