وفقدنا كذلك أبا مسلم الصنعاني وهو من خيرة الدعاة في بلده، ومن أوائل القادمين إلى أرض الجهاد وما زال يتردد بين أرض الجهاد وبين بلده، هناك داعية، وليس لعين لم يرق ماؤها عذر، وأخيرا دخل كلية الشريعة في السعودية ثم طلقها، قال لي لقد سمعتك تقول في محاضرة من المحاضرات في مسجد في جدة تقول: والجهاد الأفغاني سوق عقد ثم كاد ينفض، ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، وطلقت الجامعة والكلية وجاء دون أهله ومكث فترة ثم رجع ثم جاء بأهله فوجد أن أهله يعيقونه عن طول المكث والرباط في أرض الجبهات ثم أعادهم وعاد، ولم يمض بعد عودته قرابة شهر حتى لقي الله عز وجل، كان أبو اليسر علي عبد الفتاح معجبا بأبي مسلم الصنعاني، كان أبو مسلم الصنعاني كثيرا ما يذكر بالآخرة وبالموت وبالعذاب وبالسؤال وبالبرزخ وكان أبو مسلم يردد كلمة -دعاء جميلا - اللهم لا تجعل ذنوبنا حاجزا عن شهادتنا واستشهد أبو مسلم وهو يقرأ القرآن قرب مطار جلال آباد -وقد قلت في خطبة أخرى كنت أريد أن أقول ننكرهار فقلت قندهار، وهو استشهد في جلال أباد في ننجرهار- وصار أبو اليسر يمر على قبر أبي مسلم ويقول هنيئا لك أبا مسلم بهذه الرقدة المطمئنة، وليتني أدفن بجانبك وكان يكرر نفس دعاء أبي مسلم اللهم لا تجعل ذنوبنا حاجزا لنا عن الشهادة، وبعد أيام وكأنه يقرأ قدره وبينما كان أبو اليسر على حافة الخندق قرب ال- ( BM12) وإخوانه في داخل الخندق وهو يتلو القرآن جاءته شظية فكانت فيها منيته وتفقده الأخوة في داخل الخندق فلم يجدوه وهو مسجى بعضلاته المفتولة وبوجهه السمح، وبقامته الفارعة الطويلة، خرج الأخوة فوجدوه كما هو، ودفن -كما كان يطلب- بجانب أبي مسلم؛ وادفنوا المتحابين في قبر واحد «.
ولا يفوتني قبل الدعاء أن أنوه بموقف زوجته الفذ المشرق، عادت أم محمد زوجتي بالأمس تقول عجبا لهذه المرأة زرناها لابسة ثيابها تحدثنا وتبتسم وكأنها لم تفقد شيئا وقد فقدت زوجها، ومن هو زوجها? هو علي عبد الفتاح شيخ المنيا الذي يعرفه كل أبناء مصر، قالت لها: ما بالك بهذه الحال? قالت إن بكيت فإنما أبكي على نفسي، أما هو فقد وصل إلى ربه في رضوان مقيم وفي جنات النعيم وهذا قدري وأنا راضية بقدري، قالت: وتتكلم والإبتسامة لا تفارق وجهها وتحدثنا فعادت زوجتي مهزوزة من كيانها متأثرة بكل أعصابها ونفسيتها وقلبها من موقف هذه الفتاة.
لقد غير الجهاد نفسيات الناس حتى نفسيات النساء، ونفسيات الأطفال، يقول لي الشيخ رباني: لقد زرت مدرسة المدينة المنورة بعد أن عمل بعض الشباب بتحريك بعض الأيادي المعادية للإسلام مظاهرة وعملوا بعض المشاكل وقلت لهم: أنا لولا أنني وصلت لجاءتكم الشرطة الباكستانية وأودعوكم السجون، قال وإذا بطفل صغير يبكي ويقول لي: أنا مستعد أن أقتل كما قتل أبي، لقد قتل أبي شهيدا وأنا مستعد أن أقتل دون مذهبي ودون ديني، إذا كان الوهابيون يريدون تغيير ديني -هو لا يعرف أي شيء عن الوهابية- فهو يقول حتى وإن أخذتنا الشرطة فأنا مستعد أن أقضي كما قضى أبي وأن أستشهد كما استشهد، لأنه استشهد دفاعا عن ديني وأنا استشهد دفاعا عن ديني.
الدعوة المكية (1)
نحن على موعد هذه الليلة إن شاء الله مع حديث الثلاثاء نرجو الله عز وجل أن يبارك في أوقاتنا ويكون هذا الدرس مستمرا مساء كل ثلاثاء ما بين المغرب والعشاء بفضل الله ومنته وآلائه ونعمته، إنه سميع قريب مجيب.
وقد بدى لي أن يكون هذا الدرس متسلسلا في سورة من سور القرآن الكريم، وما رأيت سورة تناسب واقعنا الحاضر توافق الحالة التي يعيش عليها المسلمون أكثر من سورة التوبة، فنبدأ إن شاء الله بسورة التوبة في كل حلقة من الحلقات نفسر ما يفتح الله علينا من الآيات الكريمات التي تنزلت في هذه السورة.
سورة التوبة سميت سورة التوبة بسبب الآية التي فيها:
(لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)
(التوبة: 711 - 811)
التوابون الثلاثة هؤلاء: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتاب الله عليهم بعد أن أقروا، أنه لم يكن لهم عذر في التخلف عنه، بعد أن قاطعهم المجتمع المسلم خمسين يوما.
وسورة التوبة نزلت على ثلاث مراحل: فترة قبل غزوة تبوك وفي الإعداد لها، وقسم منها نزل أثناء الغزوة، وقسم منها نزل بعد الغزوة.
وغزوة تبوك حصلت في رجب سنة تسعة هجري وهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى وكان رسول الله ص قد قاد الغزوة بنفسه وخرج معه ثلاثون ألفا نحو تبوك، لأنه علم أن الروم وقبائل العرب التي تعيش على موائد الروم تتأهب لغزو المدينة فغزاهم قبل أن يغزوه ووصل تبوك ولم يدخل حربا، وأرسل خالد بن الوليد إلى (أيلة) وإلى (دومة الجندل) وصالح أ كيدر دومة وأكيدر أيلة ورجع رسول الله صلى ولذلك ما دامت غزوة تبوك آخر غزوة فأحكام الجهاد فيها هي الأحكام النهائية، كل ما تقرر من أحكام الجهاد في سورة التوبة فهي الأحكام النهائية التي لم تأت بعدها مرحلة تغير طبيعة النصوص التي ختم بها سجل الجهاد النصي.
والجهاد في الإسلام ونصوصه مر بأربعة مراحل:
م--راح---ل ال-ج-ه-------اد:
المرحلة الأولى:
مرحلة كان الجهاد فيها محرما في مكة، وقد أشارت إلى هذا الآية الكريمة:
(ألم تر إلى الذين قيل لهم كف وا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا).
(النساء:77)
هذه الآية تنص على أنه; قيل لهم كفوا أيديكم، كفوا أيديكم عن القتال، وكفوا: فعل أمر والأمر للوجوب، يعني يجب عليكم ألا تقاتلوا في هذه المرحلة، يعني يحرم القتال في هذه المرحلة، ولحكمة أرادها الله عز وجل ولأمر ما، منع القتال في مكة فلعله من أجل أن ي عود الأعرابي والعربي الذي يثور بسرعة وينتقم، على الصبر وعلى طول النفس وعلى تجرع المحنة ومرارتها دون أن يثير معركة أو يفتعل حوادث تضر بالنبتة الناشئة وهي نبتة الدعوة الإسلامية، ولعله لأمر يريده الله عز وجل أنه منع القتال في مكة حتى لا تحدث معركة في كل بيت، لأن أبناء عائلات مكة واحد منهم مع الرسول ص والآخر مع الجاهلية فلو أمروا بالقتال لوجب على المؤمن أن يقتل أباه في داخل البيت أو أخاه .. وعندها تتمزق البيوت وتقوم المحن وتغرس الثارات وتبقى هذه ملازمة لذكريات نشأة الدعوة; أنها دعوة نبتت في داخل بركة من الدم، دعوة مزقت العائلات، دمرت الأسر، قتلت خيرة أبناء مكة على يد إخوانهم وعلى يد آبائهم وأبنائهم، لأن الابن يجب أن يقتل أباه في داخل البيت -إن كان مؤمنا - والأب -كأبي بكر- يجب أن يقتل إبنه كعبد الرحمن في داخل البيت، وعمر يجب أن يقتل أخاه، وعلي يجب أن يقتل عقيلا وهكذا الأسر كلها ستتمزق، بينما استفاد الإسلام كثيرا من هذا التلاحم