تقول: ماذا تفعل وماذا نفعل? أتأمرنا أن نغادر الساحة? لا .. جاهد ولك من هذا المال ما يكفيك وولدك بالمعروف دون إسراف ولا تقتير ودون تكثير ولا تبذير ولا ادخار, الإدخار حرام من مال الجهاد لأنه مخصص للجهاد في سبيل الله, وأنت كرجل ن ف ر في سبيل الله لك طعامك وشرابك وما يكفيك لإيصالك إلى أرض الجهاد .. إلى هناك في أفغانستان فإذا أعطاك قسم الترحيل عشرة آلاف روبية وقلت لهم: أنا أريد أن أبقى في فارياب أو في (هيرات) سنة كاملة, وذهبت هناك وأعطيناك عشرة آلاف روبية وهناك تنفق من هذه الآلاف العشرة ما يكفيك, لا تخرج عن طعام الأفغان إلا أحيانا ; لأنك كعربي قد لا تستطيع أن تبقى باستمرار تعيش على ما يأكله الأفغان, فهذه يمكن أن ي تغاضى عنها, ولك ثوبان تلبس أحدهما وتغسل الآخر, ولك حذاؤك, ولك أجرة مركوبك, لا أن تشتري فرسا وأن تربطه بجانبك ليقال العربي عنده حصان, تستعمله كل شهر مرة تمتطي صهوته وتصول وتجول في الميدان كأنك الزبير بن العوام .. لا, ليس لك أن تشتري حصانا .. لك أن تستأجر حصانا يوصلك إلى أرض الجهاد, إن لم تكن قادرا على المشي, ولا تشديد في القضية ولا مشقة, فإن كنت قادرا وتريد أن ترتاح فلا بأس كذلك أن تستأجر حصانا يقوده صاحبه حتى إذا أبلغك محلك وأحلك مقامك; عاد أدراجه بحصانه, أما أن تربط بجانبك حصانا تنفق عليه كل يوم من التبن والشعير ضعف ما ينفق الأفغاني, فلا يرضاه أحد من المسلمين, فضلا أن يقبل به أولوا النهى والأحلام من الأئمة العالمين.
إذن, لك ما يكفيك فإذا بقي معك بعد هذا العام خمسة آلاف من العشرة آلاف, يجب عليك أن ترجعها إلى قسم الترحيل .. لا يحل لك أبدا أن تستعملها في نفقاتك الخاصة, ولذلك فقدلله عجبت من اختلاف بين ابن حبيب مع مالك; قالوا: رجل غزا في سبيل الله وانتهت غزوته ومعه جعل -مال من المسلمين جعل للجهاد في سبيل الله- أيمسك منه على نفسه في قفوله من الغزوة?- رأيت مالكا يمنع ذلك وابن حبيب المالكي يبيح ذلك ... ونحن نبيح لك في الرجوع وفي الذهاب حتى تصل إلى بيشاور, أما أن تكون مقيما في بيت الضيافة وتأكل كما يأكل الأفغان وزيادة, وتأكل اللحم يومين أو ثلاثة في الأسبوع ثم تذهب في لحظة من اللحظات على العثمانية (8) [العثمانية: يشير الشهيد الى مطعم في بيشاور]. أو على المطاعم وتنفق في جلسة واحدة ما تنفقه عائلة أفغانية طيلة شهر, فهذا لا يحل لك من أموال المسلمين .. يحل لك إن كان من مال أمك وأبيك أو أختك وأخيك, أما من مال المسلمين!! لقد شكت أبواب العثمانية لكثرة تردد المترددين من الآكلين والشاربين عليها. لك ما يكفيك بالمعروف دون إسراف ولا تقتير ولا تكثير ولا تبذير.
أيها الأخوة: قضية الأموال قضية خطيرة فانتبهوا (وأيما لحم نبت من حرام فالنار أولى به) (9) [جزء من حديث رواه الطبراني في الصغير (أيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به) انظر الترغيب والترهيب، المجلد الثاني صـ 547]. وفي الحديث الصحيح (إن الدنيا خضرة وإن رجالا يخوضون في مال الله بغير حق لهم النار) (01) [رواه البخاري في صحيحه بنحوه]. لهم النار, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ..
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة: بقدر الأخبار المزعجة في بيشاور, بقدر ما يوافينا من بشائر وأنباء سارة من داخل أفغانستان .. والجهاد الأفغاني إنما اكتسب منزلته العالمية وشهرته الدولية من المعارك العسكرية لا من المواقف السياسية, وأعداؤنا كنجيب والروس أقدر منا أن يتربعوا في المحافل الدولية وعلى المناورات السياسية والعيش وراء الكواليس, ولقد جاءنا بالأمس أخبار عن (سالانج) .. عن الشاب المسلم (أحمد شاه مسعود) أنه قد خاض معارك شرسة في (سالانج) وفي (قلعة سرخ) وفي (بجرام) وقرب (شاريكار) , والحمد لله فتح الله عليه منطقتين كبيرتين في (سالانج) هما (هفت نور وأولان) والأخبار الأولية -ولا زالت المعارك مستمرة- أن المجاهدين قد غنموا في سالانج إحدى عشرة دبابة ودمروا حوالي ثلاثين دبابة وغنموا راجمتين للصواريخ ( BM - 21) .
والأخبار من خوست كذلك تشرح الصدر وتفرح القلب: فالمجاهدون هناك وعلى رأسهم الشيخ جلال الدين قد فتحوا فتوحات كبيرة وغنموا قبل ثلاثة أيام ثماني دبابات .. أربع (تانك) دبابات وأربع (زربوش) أي مصف حات, ونرجو الله عز وجل أن يتمم بالفتح الأكبر .. فتح كابل وإقامة دين الله فيها ...
(ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم)
(الروم: 4ـ5)
محطات التشويش:
الوضع في داخل أفغانستان -والحمد لله- بالنسبة لي مطمئن ونفسي مرتاحة للوضع وإن كان كثير من المتشائمين لا يرون ما أرى فلهم ذلك ولا نزاع في محل الإجتهاد, فنحن لا ننازعهم نظرتهم, أما نظرتي فالجهاد الافغاني لا زال رغم ما يضخم بالإعلام العالمي وما تشوه به صورة الجهاد وما تحطم به صور القمم من أفذاذه الذين أعز الله بهم دينه سواء في بيشاور أو في داخل أفغانستان, رغم التشويه المقصود من الأجهزة الجاهلة أو المعادية لهذا الدين -رغم هذا- فأنا مستريح مطمئن أن الكفة لا زالت راجحة لجانب المجاهدين, وإياكم أن تشوش عليكم أرض القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال; أرض بيشاور, بيشاور محطات تشويش على الصادقين, ومحطات تضييق على المخلصين ومحطات تضييع للقادمين لهذا الدين, ف ص م أذنيك, واعرف لماذا جئت? ص م أذنيك عن الأراجيف والأخابيل, عن التخذيل والتثبيط والتعويق والتشويش الذي تديره أصابع المخابرات العالمية, وأنا أعلم ذلك علم اليقين, أن وراء كثير من التشويش أصابع المخابرات .. سواء كانت من بلاد عربية أو من بلاد غربية, وهم كل همهم بالنسبة لهذا الجمع أن يفرقوه, وكل نيتهم لهذا الموكب المبارك أن يمزقوه, وكل ما يطمعون به ويحلمون أن يفتحوا أعينهم فلا يرون قادما من البلاد العربية, ي ن غص عليم مخططاتهم الغربية في داخل أفغانستان ويعيق تدخل المنظمات الصليبية بين هؤلاء المجاهدين أو يرجع إليهم وقد فهم أنه لا حياة للمسلم ولا عزة ولا مجد ولا رفعة ولا نقاء ولا صفاء بدون الجهاد, فهم يريدون أن يطفئوا الشعلة التي أنارت قلوب هذا الجيل, والذي كان رأس حربته وكان مصباح نوره هذا الجهاد المبارك -الذي رفع الله به رأس كل مسلم في الأرض كلها, هذا الجهاد الذي كل واحد منهم أو معظمهم يحق لنا أن نقول على لسانه; على لسان كل مجاهد صبر حتى الآن ولو كان فاسقا ولو كان فاجرا فهو مسلم- يحق لنا أن نتغنى به لأنه رفعنا من هوة الضياع, وأنقذنا من مستنقع الذل حتى أصبحت رؤوسنا تناطح عنان السماء وتطاول الجوزاء.
أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه وأترك الغيث في غمدي وأنتجع
والمشرفية لا زالت مشرفة دواء كل كريم أو هي الوجع
فالسيوف دواء كل كريم وهي الوجع لكل لئيم, ونحن -إن شاء الله- قد نذرنا أنفسنا لهذا الجهاد حتى ينتصر, أو يحكم الله فيه حكمه, أما أن نغادر هذه الارض فلا -إن شاء اللهـ .. ولا .. ألف مرة .. ما دامت الدماء تجري في عروقنا, وما دام النفس تنبض به قلوبنا, وما دامت الحياة تسري في أوصالنا, نقول للافغان: الحياة حياتكم حتى تنتصروا والممات مماتكم, ولا مغادرة لهذه الأرض بإذن الله, ونرجو الله أن يثبتنا, لأن القلوب بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء, فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك, أما حتى الآن, فلا مغادرة لهذه الأرض إلا بإحدى إثنتين .. إما نغادر إلى أعماقها شهداء سواء في بيشاور أو في أفغانستان, أو أن نخرج رغم أنوفنا لا