قال (التهانوي) -صاحب شرح إعلاء السنن حنفيـ: جواز أخذ الجعل مقيد بالضرورة; كأن يكون الغازي معسرا محتاجا إلى نفقة آهله.
حتى الجعل الذي نأخذه نحن أو تأخذونه أنتم له شرط, هو شرط الضرورة: أن تكون محتاجا إليه, أما إذا لم تكن محتاجا إليه فلا يجوز لك أخذ الجعل كذلك, لأنك إن قدمت إلى الجهاد وأعطاك رجل مالا تنتفع به, فهنا أنت قبل أن تمد يدك تبحث في جيبك أعندك مال يكفيك لغزوتك أو لجهادك أو لأجرتك أو لتذكرتك? فإن لم يكن معك; يحق لك, فإن كان معك ألف دولار وجئت بها إلى الجهاد تشتري منها التذكرة وتصل هنا وتضع نفسك بين يدي الذين يعملون لأمر الجهاد, ولا يجوز لك أن تأخذ منهم شيئا , ولا أن تأخذ منهم حذاء , ولا لباسا , ولا طعاما -إذا كنت تملك هذا- وتبقى تنفق من أموالك التي في جيبك على تدريبك وعلى نفقة ذخيرتك وعلى طعامك في المعسكرات وعلى تنقلك في أفغانستان حتى تنتهي هذه الفلوس, وبعدها يحق لك أن تأخذ ما يكفيك, إذن ستقول: أنت يا شيخ قد أرهقتنا وأبلغتنا من أمرنا عسرا , كيف في بيت الضيافة, أو في المعسكرات, أو في داخل أفغانستان, أنا آكل مع المجموع فكيف تريد لي أن أطبخ وحدي, وأن آكل وحدي, وأن أدفع أجرة السيارة وحدي, وأن أدفع ثمن الذخيرة في المعسكر وحدي, فأقول لك: أنت تسأل القوم كم ينفق هذا البيت شهريا أو يوميا طعاما وشرابا على الناس? فيقولون لك كذا وكذا, فتأخذ معدل ما ينفقون وتسألهم فيقولون لك نحن ننفق يوميا على المجاهد اثنتي عشرة روبية أو خمس عشرة روبية, وعندها تحسب مدتك في بيت الضيافة أو في الجهاد من أول ما وصلت حتى ترجع ثم تحسب أموالك المدخرة في بيت الضيافة أو الموضوعة كأمانة ثم تدفعها دفعة واحدة إلى القائمين على أمر الجهاد.
بل رأيت نصوصا عن ابن عمر وعن سعيد بن المسيب, وعن مالك وغيره.
كان ابن عمر إذا أعطى شيئا في سبيل الله يقول للغازي: إذا بلغت وادي القرى -قرب خيبر- فدونك به -أي معنى كلام ابن عمر "لايجوز لك استعمال المال في المدينة المنورة ولا قرب المدينة المنورة حتى إذا دخلت أرض الغزوة ووصلت أرض القتال فإنه يحق لك أن تنفق منه. فإذا قال لك القائل هذا المال في سبيل الله وأخذت خمسة آلاف دولار من تاجر في دبي أو في الكويت أو في جدة, هذه خمسة آلاف دولار للجهاد في سبيل الله, هذه الخمسة آلاف دولار تنفق منها بالمعروف لا إسراف ولا تقتير, تذكرتك .. لباسك .. حذائك .. طعامك .. ثم تنفق منه في الجهاد, وبعد أن ترجع إذا بقي منها ألفان يجب أن تسلمها للجهاد قبل أن تغادر, لأنه أعطاك إياها للجهاد في سبيل الله, ولذا قال (الموفق بن قدامة) وقال الخرقي صاحب المختصر الذي شرحه (ابن قدامة) .. يقول (ابن قدامة) و (الخرقي): إن المال الذي يعطى قسمان: قسم يعطى للغازي بيده, ويخصصه يقول: هذه لغزاتك هذه .. فهو ينفق منه في هذه الغزوة .. فإذا توفر منه شئ فهو له ينفقه كيف يشاء, أما إذا قال له هذه الخمسة آلاف دولار للجهاد في سبيل الله فإنه يرجع ما بقي معه بعد غزوته تلك.
ولذا يفهم من هذا أنك إذا جئت رجلا وقال لك: هذا المال للجهاد في سبيل الله, أنفق منه فإنك تنفق منه ما دمت في الجهاد في سبيل الله, حتى إذا فقدت صفة المجاهد, تضعه لمن حمل هذه الصفة وهو المجاهد في سبيل الله, المرابط الجالس بأرض الرباط أو الحامل سلاحه ليقاتل لإعلاء كلمة الله والمال الذي يؤخذ من قبلنا نحن كغازين في سبيل الله أو كمجاهدين, هذا تختلط فيه الزكاة وغيرها, أما السهم في سبيل الله الذي خصص في آية توزيع الزكاة فلم يقل أحد من الفقهاء أن الغني يحق له أن يأخذ من سهم في سبيل الله المذكور في الآية:
إنما الصدقات للفقراء والمساكين العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل
(التوبة:06)
قال أبو حنيفة وصاحباه, وقال الشافعي وأحمد والجمهور: أن هذا المال يعطى للفقير الذي لا يجد ما ينفق في سبيل الله, أما إذا كان غنيا في بلده, ونفذت نقوده فإن (ابن القاسم) المالكي قال: يأخذ من مال الزكاة إذا احتاج في أرض الغزو ويسدها بعد أن يرجع إلى بلده, ويكون ماله في قبضته أما مالك -رحمه الله- خالف الجمهور في هذه القضية, ومالك وهو يفتي في هذا إنما كان يفتي عن حالات الجهاد في زمانه, لأن مالكا لم يفصل بين فريضة العين وبين فرض الكفاية, فلقد كان الجهاد أيام مالك فرض كفاية, لم يكن فرض عين إذ كانت الجيوش قد انساحت في الأرض ووصلت إلى (نهر جيحون) ووصلت إلى (أذربيجان) ووصلت إلى (طرطوس) و (أنطاكيا) و (اللاذقية) وغيرها, لم تكن بلاد الاسلام في قبضة الكفار ولم تكن أرض الإسلام مهددة من أعدائهم, قال مالك -يخالف الجمهورـ: يجوز للغني والفقير أن يأكل من مال الغزو في سبيل الله, أما أن يأخذ ما يزيد على حاجته في أرض الغزو فلم يقل به أحد من الفقهاء أبدا وما رأيت فتوى أبدا لأحد من الفقهاء القدماء والسلف والخلف من المفسرين والمحدثين يقول: إن الغني يحق له أن يأخذ من المال المجموع من أجل الجهاد في سبيل الله, ما رأيت فتوى تبيح هذا.
فنحن ماذا يحل لنا من هذا المال? يحل لنا من هذا المال -إذا كنا متزوجين- ما يكفينا وولدنا بالمعروف دون إسراف ولا تقتير, ولا تبذير ودون توفير ودون تكثير في الجيوب, لا يحق أبدا لأي عامل في ساحة الجهاد -اسمعوها مرة أخرى- لا يحق أبدا لعامل في ساحة الجهاد أن يوفر من ماله ويرسل إلى بلده ليبني به بيتا أو ليشتري به أرضا أو ليدخر به كنزا أو غير ذلك.
أنت تأخذ راتبا من أية مؤسسة من المؤسسات لك فيه ما يكفيك وولدك بالمعروف, فإذا كان عمر رضي الله عنه وهو يأخذ راتبه من بيت المال -ليس من الزكاة في سبيل الله إنما هو من الفئ ومن الغنائم ومن الخراج المال الذي تدفق على خزينة الدولة- لأن بيت مال المسلمين منفصل عن البيت المخصص للزكاة فبيت مال المسلمين تدفع منه أجور الغزاة في سبيل الله وشراء الكراع -أي الخيل- والسلاح والرباط وتجهيز الثغور وتحصينها وبناء القناطر والجسور وغير ذلك, هذا من الفئ الذي أفاء الله به على الامة الإسلامية ...
ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم
(الحشر: 7)
فهذا الفئ; حتى رسول الله ص عندما قسمه لم يأخذ من أموال بني النضير إلا أنصاريان فقيران (سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة) أقول: هذان إلاثنان الأنصاريان اللذان أخذا من الفئ الذي فاء إلى رسول الله ص بدون إيجاف خيل كذلك بدون ركاب ...
وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولاركاب
(الحشر: 6)
فإذا كان هذا -نخيل بني النضير- كله أفاء الله به على المسلمين, وأموالهم وسلاحهم; هذه لم يأخذ منها أنصاري غني أبدا , بل لم يأخذ إلا المهاجرون واثنان فقط فقيران من الأنصار هما سهل بن حنيف وأبو دجانة, ولم يعط رسول الله ص من هذا الفيء الأنصار, فكيف المال الذي دفع خصيصا لينفق للجهاد في سبيل الله, هذا المال صاحبه عندما ألقاه في كيس الذي يجمع الأموال, إنما يقفز إلى ذهنه أولئك الليوث الرابضون في خنادق القتال جائعو الأفواه, عراة الأجساد, حفاة الأقدام.
لا تقتير ولا تبذير: