12 - اتّفق الفقهاء على أنّه يشترط أن يكون الأمان من مسلم فلا يصح من كافر , وزاد الكاساني : وإن كان يقاتل مع المسلمين , لأنّه متّهم في حقّ المسلمين فلا تؤمن خيانته , ولأنّه إذا كان متّهماً فلا يدري أنّه بنى أمانه على مراعاة مصلحة المسلمين من التّفرق عن حال القوّة والضّعف أم لا , فيقع الشّك في وجود شرط الصّحّة , فلا يصح مع الشّكّ , ونصوا على أنّه لا يجوز أمان غير المسلم ولو كان ذمّياً , واستدلوا بقوله عليه الصّلاة والسّلام : « ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم » , ووجه الاستدلال أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جعل الذّمّة للمسلمين , فلا تحصل لغيرهم , ولأنّ كفره يحمله على سوء الظّنّ , ولأنّه متّهم على الإسلام وأهله , فأشبه الحربيّ , ولأنّه كافر فلا ولاية له على المسلمين . وزاد الحنفيّة : إلّا إذا أمره به مسلم - سواء كان الآمر أمير العسكر أو رجلاً من المسلمين - بأن قال المسلم للذّمّيّ : آمنهم , فقال الذّمّي : قد آمنّتكم , لأنّ أمان الذّمّيّ إنّما لا يصح لتهمة ميله إليهم , وتزول التهمة إذا أمره به مسلم , وكذلك إذا قال الذّمّي : إنّ فلاناً المسلم قد آمنكم , لأنّه صار مالكاً للأمان بهذا الأمر , فيكون فيه بمنزلة مسلم آخر .
الشّرط الثّاني : العقل :
13 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز أمان المجنون لأنّ العقل شرط أهليّة التّصرف , ولأنّ كلامه غير معتبر فلا يثبت به حكم .
الشّرط الثّالث : البلوغ :
14 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يصح أمان الطّفل وكذلك الصّبي المراهق إذا كان لا يعقل الإسلام قياساً على المجنون .
وأمّا إن كان مميّزاً يعقل الإسلام , ولكنّه كان محجوراً عن القتال , فذهب جمهور الحنفيّة والحنابلة في وجهٍ إلى أنّه لا يصح أمانه ; لأنّ من شرط صحّة الأمان أن يكون بالمسلمين ضعف , وبالكفر قوّة , وهذه حالة خفيّة ولا يوقف عليها إلّا بالتّأمل والنّظر , ولا يوجد ذلك من الصّبيّ , ولاشتغاله باللهو واللّعب , ولأنه لا يملك العقود , والأمان عقد , ومن لا يملك أن يعقد في حقّ نفسه , ففي حقّ غيره أولى , ولأنّ قوله غير معتبر كطلاقه وعتاقه .
وقال الحنابلة في وجهٍ آخر ومحمّد : يصح , لأنّ أهليّة الأمان مبنيّة على أهليّة الإيمان , والصّبي المميّز الّذي يعقل الإسلام من أهل الإيمان , فيكون من أهل الأمان كالبالغ .
وإن كان مأذوناً في القتال فالأصح أنّه يصح بالاتّفاق بين الحنفيّة , لأنّه تصرف دائر بين النّفع والضّرر , فيملكه الصّبي المأذون .
وعند المالكيّة في الصّبيّ المميّز خلاف , قيل : يجوز ويمضي وقيل : لا يجوز ابتداءً , ويخيّر فيه الإمام إن وقع : إن شاء أمضاه , وإن شاء ردّه .
وقال الشّافعيّة : لا يصح أمان الصّبيّ وفي الصّبيّ المميّز وجهٌ كتدبيره .
ومن زال عقله بنوم أو سكر أو إغماء , فقد نصّ الحنابلة على أنّه في حكم الصّبيّ غير المميّز , لأنّهم لا يعرفون المصلحة من غيرها , ولأنّ كلامهم غير معتبر فلا يثبت به حكم . الشّرط الرّابع : الاختيار :
15 - نصّ جمهور الفقهاء على أنّه لا يصح الأمان من مكرهٍ لأنّه قول أكره عليه بغير حقٍّ, فلم يصحّ كالإقرار .
الشّرط الخامس : عدم الخوف من الكفرة :
16 - ذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في مقابل الأصحّ إلى أنّه يصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره , لدخوله في عموم الخبر , ولأنّه مسلم مكلّف مختار فأشبه غير الأسير , قال ابن قدامة : وكذلك يصح أمان الأجير , والتّاجر في دار الحرب .
ويرى الشّافعيّة في الأصحّ عدم جواز أمان الأسير , قال الشّربيني الخطيب : محل الخلاف في الأسير المقيّد والمحبوس وإن لم يكن مكرهاً , لأنّه مقهور بأيديهم لا يعرف وجه المصلحة , ولأن وضع الأمان أن يأمن المؤمّن , وليس الأسير آمناً , وأمّا أسير الدّار , وهو المطلق بدار الكفر الممنوع من الخروج منها فيصح أمانه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يجوز أمان من كان مقهوراً عند الكفّار كالأسير والتّاجر فيهم , ومن أسلم عندهم وهو فيهم , لأنّهم مقهورون عندهم , فلا يكونون من أهل البيان , ولا يخافهم الكفّار , والأمان يختص بمحلّ الخوف , ولأنّهم يجبرون عليه , فيعرى الأمان عن المصلحة , ولأنّه لو انفتح هذا الباب لانسدّ باب الفتح , لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر عليهم , لا يخلون عن أسير أو تاجر فيتخلّصون به , وفيه ضرر ظاهر .
قال ابن عابدين : نقل في البحر عن الذّخيرة أنّه لا يصح أمان الأسير في حقّ باقي المسلمين حتّى كان لهم أن يغيروا عليهم , أمّا في حقّه هو فصحيح , قال ابن عابدين : والظّاهر أنّ التّاجر المستأمن كذلك .
ح - أمان العبد والمرأة والمريض :
اختلف الفقهاء في أمان العبد والمرأة والمريض على التّفصيل الآتي :
أولاً - العبد :
17 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجوز أمان العبد , واستدلوا بقوله عليه الصّلاة والسّلام: « ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم » , وفسّره محمّد بالعبد , ولقول عمر بن الخطّاب رضي اللّه تعالى عنه : العبد المسلم رجل من المسلمين ذمّته ذمّتهم " وفي رواية يجوز أمانه " , ولأنّه مسلم مكلّف , فصحّ أمانه كالحرّ .
وزاد النّووي : يصح أمان العبد المسلم وإن كان سيّده كافراً .