28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَضَعَ الْجِزْيَةَ فِي رِقَابِ الْأَسْرَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا , وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ إذَا سَأَلُوهُ , كَمَا يَجِبُ إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ فِي غَيْرِ أَسْرٍ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ بِفِعْلِ عُمَرَ فِي أَهْلِ السَّوَادِ وَقَالُوا : إنَّهُ أَمْرٌ جَوَازِيٌّ , لِأَنَّهُمْ صَارُوا فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ أَمَانٍ , وَكَيْلَا يَسْقُطَ بِذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنْ اخْتِيَارٍ . وَهَذَا إنْ كَانُوا مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ . وَهَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ حَيْثُ قَالَ : وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَقَالَ قَوْمٌ : تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ , وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ . وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُسَارَى مِنْ غَيْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ , وَوَضَعُوا قَاعِدَةً عَامَّةً هِيَ : كُلُّ مَنْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ مِنْ الرِّجَالِ , يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ , كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ , وَمَنْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ , كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ .
مَا لَا يَجُوزُ إظْهَارُهُ (1)
12 - مِنْ ذَلِكَ إظْهَارُ الْمُنْكَرَاتِ كُلِّهَا , وَإِظْهَارُ الْعَوْرَةِ , وَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ إظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ صُلْبَانِهِمْ وَنَوَاقِيسِهِمْ وَخَمْرِهِمْ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ . وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُ مَا يَجِبُ إخْفَاؤُهُ مِمَّا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْمُعَاشَرَةِ . وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الْعِدَّةِ .
لِبَاسُ أَهْلِ الذِّمَّةِ (2)
23 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ أَخْذِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَا يُمَيِّزُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ , فَلَا يَتَشَبَّهُونَ بِهِمْ , لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا مُخَالِطِينَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِهِمْ عَنْهُمْ , كَيْ تَكُونَ مُعَامَلَتُهُمْ مُخْتَلِفَةً عَنْ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ , وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ . وَإِذَا وَجَبَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَا فِيهِ صَغَارُهُمْ لَا إعْزَازُهُمْ , وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ ( أَهْلُ الذِّمَّةِ ) .
حُكْمُ الْوَفَاءِ بِالِالْتِزَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (3)
39 - الْأَصْلُ فِي الِالْتِزَامِ أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ امْتِثَالًا لقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ وَالْمُرَادُ بِالْعُقُودِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ : مَا عَقَدَهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَكِرَاءٍ وَمُنَاكَحَةٍ وَطَلَاقٍ وَمُزَارَعَةٍ وَمُصَالَحَةٍ وَتَمْلِيكٍ وَتَخْيِيرٍ وَعِتْقٍ وَتَدْبِيرٍ , وَكَذَلِكَ الْعُهُودُ وَالذِّمَمُ الَّتِي نَعْقِدُهَا لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْخَوَارِجِ , وَمَا عَقَدَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الطَّاعَاتِ كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ﴾ عَامٌّ فِي إيجَابِ الْوَفَاءِ بِجَمِيعِ مَا يَشْرِطُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ , مَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ تُخَصِّصُهُ لَكِنْ هَذَا الْحُكْمُ لَيْسَ عَامًّا فِي كُلِّ الِالْتِزَامَاتِ , وَذَلِكَ لِتَنَوُّعِ الِالْتِزَامَاتِ بِحَسَبِ اللُّزُومِ وَعَدَمِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي :
( 1 ) الِالْتِزَامَاتُ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 1655)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2059)
(3) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2086)