تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20 - يُعْتَبَرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَعْطَوْهُمْ الذِّمَّةَ فَقَدْ الْتَزَمُوا دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِمْ , وَصَارُوا أَهْلَ دَارِ الْإِسْلَامِ , كَمَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ . وَعَلَى ذَلِكَ فَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ حَقُّ الْإِقَامَةِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ , وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ أَرَادَ بِهِمْ سُوءًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَهْدِ حِفْظَهُمْ مِنْ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ , فَيَجِبُ عَلَيْهِ الذَّبُّ عَنْهُمْ , وَمَنْعَ مَنْ يَقْصِدُهُمْ بِالْأَذَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْكُفَّارِ , وَاسْتِنْقَاذَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ , وَاسْتِرْجَاعَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ , سَوَاءٌ كَانُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ مُنْفَرِدِينَ عَنْهُمْ فِي بَلَدٍ لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِحِفْظِهِمْ وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ . وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَقْدِ الذِّمَّةِ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يُظْلَمُونَ وَلَا يُؤْذُونَ , قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ انْتَقَصَهُ حَقَّهُ , أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ , أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ , فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ . حَتَّى إنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا اسْتَوْلُوا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَسَبَوْهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ , ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ , وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى ذِمَّتِهِمْ , وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ , وَهَذَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ , كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي : لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ بَاقِيَةٌ , وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَا يَنْقُضُهَا , وَحُكْمُ أَمْوَالِهِمْ حُكْمُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُرْمَتِهَا .

ثَانِيًا - حَقُّ الْإِقَامَةِ وَالتَّنَقُّلِ :

21 - لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُقِيمُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ , مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ مَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَهْدُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا , وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ . لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إقَامَةِ الذِّمِّيِّ وَاسْتِيطَانِهِ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ , عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ فِيمَا سِوَاهُمَا , يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ ( أَرْضِ الْعَرَبِ ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا يَجْتَمِعُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ دِينَانِ ﴾ وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : ﴿ لَئِنْ عِشْت - إنْ شَاءَ اللَّهُ - لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ﴾ . أَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمُدُنِ وَالْقُرَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَسْكُنُوا فِيهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مُنْفَرِدِينَ , لَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ رَفْعُ بِنَائِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَصْدِ التَّعَلِّي , وَإِذَا لَزِمَ مِنْ سُكْنَاهُمْ فِي الْمِصْرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ أُمِرُوا بِالسُّكْنَى فِي نَاحِيَةٍ - خَارِجَ الْمِصْرِ - لَيْسَ فِيهَا جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ .

22 - وَأَمَّا حَقُّ التَّنَقُّلِ فَيَتَمَتَّعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْنَمَا يَشَاءُونَ لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا , إلَّا أَنَّ فِي دُخُولِهِمْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَأَرْضَ الْحِجَازِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُصْطَلَحِ ( أَرْضُ الْعَرَبِ ) .

ثَالِثًا - عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي عَقِيدَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ :

23 - إنَّ مِنْ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ أَلَّا يَتَعَرَّضَ الْمُسْلِمُونَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي عَقِيدَتِهِمْ وَأَدَاءِ عِبَادَتِهِمْ دُونَ إظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ , فَعَقْدُ الذِّمَّةِ إقْرَارُ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ , وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ احْتِمَالُ دُخُولِ الذِّمِّيِّ فِي الْإِسْلَامِ عَنْ طَرِيقِ مُخَالَطَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَوُقُوفِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ , فَهَذَا يَكُونُ عَنْ طَرِيقِ الدَّعْوَةِ لَا عَنْ طَرِيقِ الْإِكْرَاهِ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ﴿ لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ , وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَهْلِ نَجْرَانَ : ﴿ وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ . . . ﴾ وَهَذَا الْأَصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ ,

لَكِنْ هُنَاكَ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي :

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ١٨٥