27 - الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْمُسْلِمِينَ ( إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْمُعَامَلَةِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي ) . وَذَلِكَ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَامَلَاتِ الْمَالِيَّةِ , فَيَصِحُّ مِنْهُمْ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ عُقُودُ الرِّبَا وَالْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ وَالْمَحْظُورَةُ الَّتِي لَا تَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , كَمَا صَرَّحَ بِهِ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ . قَالَ الْجَصَّاصُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ : إنَّ الذِّمِّيِّينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتِّجَارَاتِ كَالْبُيُوعِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَالْمُسْلِمِينَ , وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ , وَصَرَّحَ بِهِ الْكَاسَانِيُّ فِي الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ : كُلُّ مَا جَازَ مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ مِنْ بُيُوعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَمَا يَبْطُلُ أَوْ يَفْسُدُ مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ يَبْطُلُ وَيَفْسُدُ مِنْ بُيُوعِهِمْ , إلَّا الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ . بَلْ إنَّ الشَّافِعِيَّةَ صَرَّحُوا بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَيْنَهُمْ أَيْضًا قَبْلَ الْقَبْضِ . وَكَلَامُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ , وَمُلْتَزِمُونَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي الْمُعَامَلَاتِ . قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : تَبْطُلُ بَيْنَهُمْ الْبُيُوعُ الَّتِي تَبْطُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهَا , فَإِذَا مَضَتْ وَاسْتُهْلِكَتْ لَمْ نُبْطِلْهَا وَقَالَ : فَإِنْ جَاءَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ قَدْ تَبَايَعَا خَمْرًا وَلَمْ يَتَقَابَضَاهَا أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ , وَإِنْ تَقَابَضَاهَا لَمْ نَرُدَّهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى .
إلَّا أَنَّ هُنَاكَ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ نُجْمِلُهُ فِيمَا يَلِي :
أ - الْمُعَامَلَةُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (1):
28 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُمَا لَا يُعْتَبَرَانِ مَالًا مُتَقَوِّمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ﴿ أَلَا إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْأَصْنَامِ ﴾ , لَكِنَّهُمْ أَقَرُّوا الْمُعَامَلَةَ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ , بِنَحْوِ شُرْبٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِثْلِهَا , بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِظْهَارِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ : أَنْ يُقَرَّ الذِّمِّيُّ عَلَى الْكُفْرِ مُقَابِلَ الْجِزْيَةِ , وَيُتْرَكَ هُوَ وَشَأْنُهُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ , وَالْمُعَامَلَةِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِمَّا يَعْتَقِدُ جَوَازَهَا . وَهَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ . وَيَسْتَدِلُّ الْحَنَفِيَّةُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ : إنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ , كَالْخَلِّ وَالشَّاةِ لِلْمُسْلِمِينَ , فَيَجُوزُ بَيْعُهُ , وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُشَّارِهِ بِالشَّامِ : أَنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا , وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا , وَلَوْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْخَمْرِ مِنْهُمْ لِمَا أَمَرَهُمْ بِتَوْلِيَتِهِمْ الْبَيْعَ .
ب - ( ضَمَانُ الْإِتْلَافِ ) :
29 - إذَا أَتْلَفَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لِمُسْلِمٍ فَلَا ضَمَانَ اتِّفَاقًا ; لِعَدَمِ تَقَوُّمِهِمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ إتْلَافُهُمَا لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ; لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ . لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ صَرَّحُوا بِضَمَانِ مُتْلِفِهِمَا لِأَهْلِ الذِّمَّةِ ; لِأَنَّهُمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ , وَبِهَذَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ , إذَا لَمْ يُظْهِرْ الذِّمِّيُّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ , وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ : ( ضَمَانٌ ) .
ج - اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ مُسْلِمًا لِلْخِدْمَةِ :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2500) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2501) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2502)