5 - لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَوْلِيَاءِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ , يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ , وَمَا يُضْمِرُونَهُ لِأَعْدَائِهِمْ , وَيَسْتَشِيرُونَهُمْ فِي الْأُمُورِ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَضُرَّ مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ , وَيُعَرِّضَ أَمْنَهُمْ لِلْخَطَرِ , وَقَدْ وَرَدَ التَّنْزِيلُ بِتَحْذِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَالَاةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ وَالدِّينِ , وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ . وَقَالَ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي , تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ . وَنَهَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ , يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرِهِمْ , وَيَكْشِفُونَ لَهُمْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ . بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي شَأْنِ بِطَانَةِ السُّوءِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : رضي الله عنه : إنَّ هُنَا غُلَامًا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ حَافِظًا كَاتِبًا , فَلَوْ اتَّخَذْته كَاتِبًا ؟ قَالَ : اتَّخَذْت إذَنْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : فِي الْأَثَرِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْكِتَابَةِ , الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَاطِّلَاعٌ عَلَى دَخَائِلِ أُمُورِهِمْ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إلَى الْأَعْدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ . وَقَالَ السُّيُوطِيّ نَقْلًا عَنْ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ : فِي قوله تعالى : ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : أَكَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الزَّجْرَ عَنْ الرُّكُونِ إلَى الْكُفَّارِ وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ , وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ دُخَلَاءَ وَوُلَجَاءَ , يُفَاوِضُونَهُمْ فِي الْآرَاءِ , وَيُسْنِدُونَ إلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ . ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ نَهَى عَنْ الْمُوَاصَلَةِ فَقَالَ : ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ يَعْنِي لَا يَتْرُكُونَ الْجَهْدَ فِي إفْسَادِكُمْ , أَيْ أَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْجَهْدَ فِي الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَكْتَبَ ذِمِّيًّا , فَعَنَّفَهُ عُمَرُ رضي الله عنهما وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ . وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ أَيْضًا : لَا تَسْتَعْمِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الرِّشَا , وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ وَعَلَى رَعِيَّتِكُمْ بِاَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى .
شُرُوطُ تَحَقُّقِ الْبَغْيِ (1)
6 - يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِمَا يَلِي :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2946)