وقد روى الشّافعي عن نوفل بن معاوية قال : « أسلمت وتحتي خمس نسوةٍ فسألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : فارق واحدةً وأمسك أربعاً ، فعمدت إلى أقدمهنّ عندي عاقرٍ منذ ستّين سنةً ففارقتها » .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لو تزوّج كافر بخمس نسوةٍ ثمّ أسلم , فإن كان تزوّجهنّ في عقدةٍ واحدةٍ فرّق بينه وبينهنّ جميعاً , وإن كان تزوّجهنّ في عقودٍ متفرّقةٍ صحّ نكاح الأربع وبطل نكاح الخامسة ، لأنّ الجمع محرّم على المسلم والكافر جميعاً ، لأنّ حرمته ثبتت لمعنى معقولٍ وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهنّ .
وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم والكافر إلا أنّه لا يتعرّض لأهل الذّمّة مع قيام الحرمة ، لأنّ ذلك ديانتهم وهو غير مستثنىً من عهودهم وقد نهينا عن التّعرض لهم عن مثله بعد إعطاء الذّمّة وليس لنا التّعرض لأهل الحرب فإذا أسلم فقد زال المانع , فلا يمكّن من استيفاء الجمع بعد الإسلام بين أكثر من أربعٍ , فإذا كان تزوّج الخمس في عقدةٍ واحدةٍ فقد حصل نكاح كلّ واحدةٍ منهنّ جميعاً إذ ليست إحداهنّ بأولى من الأخرى والجمع محرّم وقد زال المانع من التّعرض فلا بدّ من الاعتراض بالتّفريق , فأمّا إن كان تزوّجهنّ على التّرتيب في عقودٍ متفرّقةٍ فنكاح الأربع منهنّ وقع صحيحاً لأنّ الحرّ يملك التّزوج بأربع نسوةٍ مسلماً كان أو كافراً ولم يصحّ نكاح الخامسة لحصوله جمعاً فيفرّق بينهما بعد الإسلام .
وإذا تزوّج الحربي بأربع نسوةٍ ثمّ سُبي هو وسُبِين معه فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرّق بينه وبين الكلّ سواء تزوّجهنّ في عقدةٍ واحدةٍ أو في عقدٍ متفرّقةٍ , لأنّ نكاح الأربع وقع صحيحاً , لأنّه كان حراً وقت النّكاح , والحر يملك التّزوج بأربع نسوةٍ مسلماً كان أو كافراً إلا أنّه تعذّر الاستيفاء بعد الاسترقاق لحصول الجمع من العبد في حال البقاء بين أكثر من اثنتين , والعبد لا يملك الاستيفاء فيقع جمعاً بين الكلّ ففرّق بينه وبين الكلّ ولا يخيّر فيه كما إذا تزوّج رضيعتين فأرضعتهما امرأة بطل نكاحها ولا يخيّر كذا هذا , وعند محمّدٍ يخيّر فيه فيختار اثنتين منهنّ كما يخيّر الحر في أربع نسوةٍ من نسائه ويفارق الباقي .
17 - ويوضّح ابن قدامة صفة المفارقة فيقول : إن قال لمّا زاد على الأربع فسخت نكاحهنّ كان اختياراً للأربع , وإن طلّق إحداهنّ كان اختياراً لها لأنّ الطّلاق لا يكون إلا في زوجةٍ , وإن قال : قد فارقت هؤلاء أو اخترت فراق هؤلاء , فإن لم ينو الطّلاق كان اختياراً لغيرهنّ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لغيلان : « اختر منهنّ أربعاً وفارق سائرهنّ » وهذا يقتضي أن يكون لفظ الفراق صريحاً فيه كما كان لفظ الطّلاق صريحاً فيه , وكذا في حديث فيروز الدّيلميّ قال : « فعمدت إلى أقدمهنّ صحبةً ففارقتها » , وهذا الموضع أخص بهذا اللّفظ فيجب أن يتخصّص فيه بالفسخ , وإن نوى به الطّلاق كان اختياراً لهنّ دون غيرهنّ , وذكر القاضي من الحنابلة فيه عند الإطلاق وجهين :
أحدهما : أنّه يكون اختياراً للمفارقات , لأنّ لفظ الفراق صريح في الطّلاق قال ابن قدامة : والأولى ما ذكرناه .
وقال ابن قدامة : إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع زوجاتٍ قد دخل بهنّ فأسلمن معه وكنّ ثمانياً فاختار أربعاً منهنّ وفارق أربعاً منهنّ لم يطأ واحدةً من المختارات حتّى تنقضي عدّة المفارقات لئلا يكون واطئاً لأكثر من أربعٍ , فإن كنّ خمساً ففارق إحداهنّ فله وطء ثلاثٍ من المختارات ولا يطأ الرّابعة حتّى تنقضي عدّة من فارقها , فإن كنّ ستاً ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من المختارات فإن كنّ سبعاً ففارق ثلاثاً فله وطء واحدةٍ من المختارات ولا يطأ الباقيات حتّى تنقضي عدّة المفارقات فكلّما انقضت عدّة واحدةٍ من المفارقات فله وطء واحدةٍ من المختارات , وما سبق إنّما هو بالنّسبة للكافر الّذي أسلم على أكثر من أربع نسوةٍ .
أمّا المسلم الّذي يجمع بين أكثر من أربع نسوةٍ في عصمته في وقتٍ واحدٍ فإنّ الحكم يختلف بين ما إذا كان تزوّجهنّ بعقد واحدٍ وما إذا كان تزوّجهنّ بعقود متفرّقةٍ .
فإذا كان تزوّجهنّ بعقد واحدٍ فلا بدّ من مفارقة جميعهنّ وهذا باتّفاق الفقهاء لأنّ النّكاح يبطل في جميعهنّ , إذ ليس إبطال نكاح واحدةٍ بأولى من الأخرى فبطل الجميع .
وكذلك الحكم لو كانت العقود متفرّقةً وجهل ترتيبها ولم يدر أيّ واحدةٍ هي الخامسة , فأمّا إن كانت العقود مترتّبةً فالأخيرة هي الّتي يجب مفارقتها وهذا باتّفاق كذلك .
=================
مُكُوس (1)
1 - المكوس : جمع مكسٍ ، وأصل المكس - في اللغة : النّقص والظلم , ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السّلع في الأسواق في الجاهليّة , أو درهم كان يأخذه المصدّق بعد فراغه من الصّدقة .
ويطلق المكس - كذلك - على الضّريبة يأخذها المكّاس ممّن يدخل البلد من التجّار .
وقال ابن عابدين : المكس ما يأخذه العشّار .
والماكس : هو الّذي يأخذ من أموال النّاس شيئاً مرتّباً في الغالب , ويقال له العشّار لأنّه يأخذ العشور في كثيرٍ من البلاد .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة
«أ - العشور»
2 - العشور : جمع عشرٍ , وهو لغةً الجزء من عشرة أجزاء .
وفي الاصطلاح يطلق على معنيين :
الأوّل : عشر التّجارات والبياعات .
والآخر : عشر الصّدقات أو زكاة الخارج من الأرض .
«ب - الجباية»
(1) -الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 14405)