تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تقولون: إنما يعلل هذا الحكم لثبوته من غير تعرض لوجوب أو جواز، فيلزم تعليله في حق القديم. وإن قلتم: إنه يعلل لجوازه، بطل عليكم ذلك من أوجه: أحدها: ما قدمناه من إثبات جمل من الجائزات التي لا تعلل. ومما يبطل هذا القسم أيضاً: أن الجوار إذا حقق في مقصد المتكلمين، فيؤول معناه إلى تجويز النفي وتقديره. فكأنكم تقولون: إنما أوجب العلم كون الواحد منا عالماً، لأنه يجوز أن لا يعلم، وتجويز ضد العلم، يستحيل أن يكون مقتضياً لثبوت العلم على أنه نفي مجرد. وقد ذكرنا أن النفي لا أثر له علة ولا معلولا.

فإن قالوا: يجوز أن يكون النفي شرطاً، فكأنا نشترط في التعليل ما قلناه.

قلنا: هذا قدح في أصل متفق عليه، وذلك لأن أرباب التحصيل أجمعوا على أن العلة في إيجابها يستحيل أن تفتقر إلى شرط. وقد سبق إيضاح ذلك. ولو جاز تقدير شرط عليه أيجاب العلة الحكم، ولجب أن يقال: إنما أوجب العلم كون محله عالماً، إذا ثبت صحة معنى هو شرط في أيجابه، ثم يجر ذلك إلى ثبوت العلم غير موجب لكون محله عالماً، من حيث لم يوجد شطر الإيجاب.

ومما نستدل به في الرد عليهم، أن نقول: إذا منعتم تعليل الواجب من الأحكام، لم يستقم لكم إقامة الدلالة على استحالة كون القديم سبحانه وتعالى جوهراً. ويتبين ذلك عند توجيه الطلبة عليهم، فيقول لهم: ما الدليل على استحالة كون القديم تعالى جوهراً؟ فإن قالوا الدليل على ذلك أنه لو كان جوهراً، موجوداً، لكان متحيزاً مختصاً ببعض الجهات، وإذا اختص ببعضها، افتقر إلى كون يخصصه، ثم ذلك الكون حادث فيلزم منه قبوله للحوادث.

فيقال لهم: لا تستقيم لكم هذه الدلالة من أوجه سبقت. ومقصدنا الآن ذكر واحد منها، وذلك أنكم قلتم: الواجب من الأحكام لا يعلل، فبم تنكرون على من يزعم أنه تعالى يختص بما قلتموه، ويجب له ذلك الحكم لذاته لا لعلة، فيضطركم ذلك إلى نفي الكون، الذي بتقدير إثباته توصلتم إلى نفي كونه جوهراً.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٦١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٦١١