تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اعتبار الجواز فيما يعلل، ليس بطرد ذلك لكم. فإنكم أثبتم جملة الأحكام الجائزة، ولم تعللوها؛ منها وجود الحوادث، إذ الجوهر في عدمه جوهر، وهو غير متصف بالوجود، ثم يتصف بالوجود من غير علة تقتضي ذلك.

فإن قالوا: تعلق الوجود بالفاعل، والغرض مما قلناه تعلق الحكم الجائز لمقتض، سواء كان فاعلا أو علة.

قلنا: هذا تصريح بإبطال طرق العلة، وتسبب إلى إفساد سبيل إثبات الأعراض، ولا يثبت حدث العالم إلا بإثباتها، ولا يثبت الدليل على المحدث، إلا يعد ثبوت الحدث. ففي تعليق ما قلتموه بالفاعل، نفي الفاعل.

وبيان ذلك: أنكم إذا جوزتم أن تثبتوا الاتصاف بالوجود، مع تقدم كون الذات ذاتاً، ثم زعمتم أن الوجود الجائز يتجدد من غير استناد إلى عرض، فبم تنكرون على من يقول: إن المتحرك اتصف بكونه متحركاً، لفاعل من غير إثبات حركة؟ وهذا يحسم إثبات الأعراض، وقد سبق ذلك في صدر الكتاب.

وما ذكروه من اعتبار الجواز في التعليل، يبطل عليهم أيضاً بكون المدرك مدركاً، فإنه جائز غير معلل عندهم. وكذلك كون الشاك شاكاً، وكون الميت ميتاً، إلى غير ذلك مما ناقضوا فيه، فأثبتوا أحكاماً جائزة، غير مستندة إلى علل.

ثم نقول لهم: لو سلم لكم ما ادعيتموه من تعليل الجائز من الأحكام، فلم قلتم: إذا علل الجائز، امتنع تعليل الواجب؟ وهل هو إلا تمسك بعكس الأدلة؟! وليس من شكر الأدلة انعكاسها بإجماع من المحققين. إذ لو شرط فيها ذلك، لدل عدم الإتقان على جهل الفاعل، كما دل الإتقان على علمه. ولدل عدم العالم على عدم المحدث، كما دل حدوثه على وجوده، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه. وإنما يشترط الانعكاس في العلل العقلية والحقائق. وجواز الحكم ليس بعلة عند الخصم،

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٦٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٦٠٩