لا تعلل صحة التعلق. وقد قدمنا من مذهب الأستاذ أبي بكر أن المعلوم في كونه معلوماً، معلل. وورد ذلك في كتابه، وعظم الأمر فيه، وذهب إلى أن القاضي لم يتكلم عليه على تحقيق، وأغفل القسم الصحيح، وذكر ما عداه. والعجب منه، وقد ذكر أنه تصفح كتاب القاضي، ولم يلق فيه الرد على ما ارتضاه. ولو تتبعه متتبع، لوجده في أكثر من عرر موضحاً فيقول: كون المعلوم معلوماً، يستحيل تعليله بصفة ترجع إلى المعلوم. فإنها إن كانت إثباتاً، انتقضت بكون المعدوم معلوماً. وإن كانت نفياً، انتقضت بكون الموجود معلوماً.
فإن قيل: هلا قلتم إن العلة في كون الملوم معلوماً العلم، وهذا ما ارتضاه الأستاذ أبو بكر، وهو باطل من أوجه: منها: أن من شرط العلة قيمها بمن له الحكم به. والذي يحقق ذلك، أن المعلول ينتفي أن يكون زائداً على العلة، إذ لو لم نقل ذلك، لأفضي إلى تجاهل لا يرتضيه عاقل، وهو أن يكون العلم علة في كونه علماً. فهذا ضرب من الهذيان.
فإذا وضح ذلك، رتبنا عليه مقصدنا، وقلنا: كون معلوماً، ليس بحال له زائدة على ذلك، مع القول بالأحوال، فما ظنكم والأستاذ من نفاتها؟ ولو لم يلزم فيه إلا أن يثبت للرب حالا لعلمنا به، لكان ذلك أكمل وأرفع عن ذلك. فتعلق العلم لا يغير صفة المعلوم، إذ الشيء قبل أن يعلم على صفته بعد أن يعلم. فإذا لم يثبت للمعلوم بكونه معلما، صفة، إذ لو ثبتت له صفة ليعلم عليها، ولو ثبتت له صفة أخرى، لما علم ثانيا. وكذلك القول في الثالث والرابع. وهذا مفض إلى التسلسل. فثبت أن من علل المعلوم في كونه معلوماً، فإنما يعلل ذات العلم في كونه علماً بالسواد، بكونه علماً به. وأقصى تمسك الأستاذ بالتسمية، وقد سبق فيها قول مقنع.