فإن قيل: مقدور العبد يقارن قدرته، فاجعلوا القدرة علة فيه.
قلنا: ليس يقع مقدور العبد بقدرته، وإنما يقعل بقدرة الرب سبحانه وتعالى. على أنا قد قدمنا في شرائط العلل أن من شرطها: قيام العلة بمن له المحكم منها. وأوضحنا أن المعلول، هو الأحوال دون الذوات. وليس يتقرر ذلك في القدرة والمقدور، إذ لا مقدور للعباد إلا عرض، ويستحيل قيام القدرة بالأعراض.
فإن قيل: بم تنكرون على من يزعم أن العلة في حدوث الحادث: تعلق قدرة القديم به، لا نفس القدرة، وتعلق القدرة مقارن للمقدور غير متقدم عليه؟ وهذا بالطل لا أصل له، وذلك أنا-وإن الأحوال-لم نجعل تعلق القدرة بالمقدور حالا زائداً على القدرة. فلا معنى لتعلق القدرة بالمقدور، أكثر من وجود المقدور بها. وأما أ، يتجدد للمقدور وصف وحال لم يكن، فلا سبيل إليه.
فإن قال قائل: لو قال بما أنكر تموه قائل: فما الذي يلزمه؟
فلنا: أول ما يلزمه: نعب صفات الله تعالى بالتغير والتبدل، عن ما كانت عليه في الأزل.
فإن قيل: ألستم تصفون الرب بكونه حالقاً لا يزال، وإن لم تصفوه في أزله؟
قلنا: هذا لا يفضي إلى تثبيت صفة زائدة للرب تعالى، إذ لا نثبت له حالا وصفة بكونه خالقا، لم يكن منعوتاً بها في أزله. ولكن إذا حدث الفعل. ثبتت التسمية حادثة. فلو ثبتت للقدرة حال لم تكن، فلا بد من أن تكون تلك الحال جائزة الثبوت والانتفاء إما بتأثير محدث، أو علة. إذ كل وصف ثبت، وجاز أن يثبت، فيستحيل ثبوته من غير جعل جاعل ولا إيجاب علة. وإذا لم يكن من ذلك بد، لم يخل المطالب من أحد أمرين: إما أن يزعم أن الوصف الثابت للقدرة ثبت بالجعل، أو بالعلة. وباطل أن يقال: تثبت صفة للقدرة القديمة بالجعل.