وإن زعم المطالب أن العلة التي توجب الحكمين لا توجد إلا موجبة للحكمين، ولكن قد تثبت علة لا توجب إلا أحد الحكمين، وهما متغايرتان، فيقال للسائل: ولا خلافين. فإن كانا مثلين لزم إستواؤهما في جميع صفات النفس، فإذا لم توجب إحداهما إلا حكما واحدا، لزم ذلك فيما يماثلها.
وإن زعم الخصم أنهما خلافان، لم يخل: إما أن يكونا: ضدين، وإما أن يكونا خلافين غير ضدين. وباطل أن يكونا ضدين. فإن العلل مهما لم تتناف في المعقول أحكامها، استحال تضادها في أنفسها.
والذي يحقق ذلك أن الحركة لما لم يناف حكمها حكم العلم، لم تضاد الحركة العلم، ولما نافي كون المحل جاهلا بالشيء كونه عالما به، تضاد العلم والجهل. ولو قدرنا علتين توجب إحداهما كون المحل عالما، والأخرى توجب كوه عالما قادراً، فليس في هذه الأحكام تناف وتنافر، فاستحال تضاد العلتين.
ولو قدرناهما خلافين غير ضدين، كان ذلك محالا. إذ من حكم كل خلافين ليسا بضدين، أن لا يضاد أحدهما الثاني. وبيان ذلك أن الحركة مع العلم كانا خلافين غير ضدين، لم يستحل ثبوت ضد الحركة مع العلم. فلو نزل ما نحن فيه هذه النزلة، للزم أن لا يضاد ضد أحدهما الثاني، حتى إذا كان أحدهما يوجب حكم العلم والقدرة والثاني يوجب حكم العلم. فلو قدرنا ثبوت ضده، لم ينتف به ما يوجب الحكمين. فكان يجب أن يكون جاهلا لثبوت الجهل، عالما لبقاء العلة الموجبة للحكمين. وقد قدمنا الكلام في هذه المسألة عند ذكرنا صفات النفس والمعنى في أحكام التماثل والاختلاف.
فهذا كلام في أحد الطرفين، وهو أن نقدر حكما يسوغ ثبوت أحدهما دون الثاني. فأما إذا قدر حكمان لا يتقرر في المعقول ثبوت أحدهما دون الثاني، وهما معللان، يسوغ تعللهما بعلة واحدة.
والذي يحقق ذلك أنه لما استحال أن يعلم السواد من لا يعلم نفسه عالماً بالسواد