تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فعند ذلك قال: من حقق أن العلم المتعلق بالسواد هو المتعلق بكون العالم عالماً بالسواد، لما استحال افتراق الحكمين، فأثبتوا علماً واحداً موجباً لهذين الحكمين. ولا يلزم في هذا القسم ما لزم في القسم الأول، إذ قاعدة الدلالة في القسم الأول، مبنية على جواز ثبوت أحد الحكمين دون الثاني على ما قدمناه.

فإن قال قائل: ما قولكم في علم الباري المتعلق بالمعلومات؟

قلنا: سبيل تقريب القول أنه لما استحال اختصاص الرب بأن يعلم بعض المعلومات على التناهي، أو يعلم معلوماً واحداً دون غيره-ووجب كونه عالماً بما لا يتناهي- لم يبعد أن توجب الأحكام علة واحدة.

فإن قال قائل: فهلا قلتم إنها توجب كونه قادراً من حيث أن كونه قادرا لا يفارق كونه عالماً، بل هما حكمان واجبان للقديم سبحانه وتعالى؟

الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن نقول: حكم القدرة بياين حكم العلم من حيث يصح أن يعلم ما لا يقدر عليه. والرب، عز اسمه، عالم بذاته وصفاته المتقدسة عن أن تكون مقدورة. فالقدرة إذا لا تتضمن هذا الحكم. فاستحال صرف الحكمين إلى موجب واحد. وهذا يطرد في السمع والبصر والإرادة، إذ العلم يتعلم يتعلق بالمعدوم ولا يتعلق به السمع والبصر.

فهذا أقصى الإمكان في الفصل عقلا، وفيه نظر عندي. والسديد أن نقول: كل حكمين يجوز في العقل ثبوت أحدهما دون الثاني، لزم القطع باستحالة ثوتهما بعلة واحدة. وأما الحكمان المقترنان وجوباً، أو الأحكام المقترنة لزوماً، فلا نقطع فيهما بوجوب إتحاد العلة ولا بوجوب تعددها، إلا أن تدل دلالة أخرى لا تتعلق بقضايا العلل فنتبعها. فالأحسن إذا طريقة القاضي في رد الأمر إلى السمع. فهذا أقصى ما يمكن في هذا الفصل.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٨٢