الاتصال بالجملة ليس يتحقق في العلم، فإن الاتصال إنما يجوز على الأجرام. فالذي أبدواه إذاً من الاختصاص ليس يرجع إلى العلة.
ثم نقول: لو تتبعناكم لم يكن فيما ذكر تموه مستروح، وذلك لأن الجوهر-وإن اتصل بجوهر-فليس يختص أحدهما بالثاني، وهو على قربه كهو على بعده، إذ الجواهر لا يرثر بعضها في بعض. فلا محصول لاختصاص جوهر بجوهر وإن تضاما، ولكن إنما الحكم لكونيهما المقتضيين اختصاصهما بحيزيهما. فرجع الحكم إلى الأكوان إذا دون الواهر. ثم الأكوان التي لها الحكم في أقصى الاجتماع والتأليف لا تتعدى أحكامها محالها، إذ وافقنا خصومنا في اختصاص حال الكون لمحله. فإذا انتفي تأثير بعض الجواهر في بعض، وثبت أن ما اقتضي إجماعهما، ليس يتعدى حكمه، فلأن لا يتعدى حكم المعاني القائمة بالجواهر المجتمعة أولى وأحرى، وهذا ما لا محيص عنه.
على أنا نقول: لو صارت الجملة بتر كبها وتألفها في حكم الشيء الواحد، حتى تتصف بالحكم الواحد، لوجب أن تتنزل منزلة الجوهر الواحد، حتى يقوم المعنى الواح دبها، وهذا لا مهرب لهم منه. وكل ما يحاولون به انفصالالا يبطل عليهم بالتأليف، إذ من أصلهم أن جزءا وحداً من التأليف، يقوم بجوهرين، على ما قدمناه في أحكام الأكوان.
ومما يعوم عليه أن نقول: العجز والقدرة عندكم مما يتعدى حكمهما إلى الجملة. وقد زعموا أن كل ما يتعدى حكمه إلى الجملة، فيستحيل أن يقوم بجزئين منها متضادين على الجملة. ولذلك منعتم أن يقوم بجزء من الجملة علم بالشيء وبجزء آخر جهل به. ونحن الآن نوضح عليكم بطلان ذلك في القدرة والعجز، وذلك أن الإنسان قد يجد من إحدى يديه القدرة على التحريك حتى يعلمها اضطرارا، ويجد يده الأخرى عاجزة عن التحرك. فإن زعموا أن اليد الأخرى مندرجة في قضية القدرة وإنما الذي فيها منع وليس بعجز، فهذا ساقط عندنا. فإن العجز والمنع واحد على أصولنا كما سيأتي في القدر إن شاء الله.