تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن زعم السائل أن الحكم يثبت من غير علة، فذلك تناقض من القول. إذ هذا الفصل إنما يفرض الكلام فيه على من قال: إن العلم إذا ثبت أوجب كون محله عالماً. فإذا اعترف بذلك المعترف، ثم جوز ثبوت هذا الحكم دون العلم، لم يأمن من ثبوته غير موجب للعلم مع العلم، كما يثبت غير موجب للكون مع الكون، لما تصور ثبوته من غير كون يشار إليه تجنيساً وتخصيصاً.

فيقال لهذا القائل: إذا اتصف المحل بطونه عالماً، وقد قام العلم به، وجوّزت ثبوت هذا الحكم من غير علة، فلعه ثبت من الآن من غير اقتضاء العلم إياه على الوجه الذي كان ثبت لو لم يكن علم، فبطل بذلك التوصل إلى كون العلم موجباً لهذا الحكم. ومن هذا قال المحققون: العلة إذا لم تنعكس لم تطرد. ومعناه ما ذكرناه.

فإن قال قائل: فمام وجه ردكم من يجوز ثبوت الحكم مع العلم غير موجب عنه؟

قلنا: هذا تصريح ينفي العلل جملة، وهو يفضي إلى القول بنفي الأعراض. فإنا نستدل يثبتوا الأحكام على ثبوت موجباتها، وإذا نفينا ذلك أفضي إلى انسداد إثبات الأعراض. واٌل ما يلزم على ذلك تسويغ ثبوت العلم دون اتصاف محله بكونه عالماً. فإنه كما يجوز تقدير انقطاع الحكم عن العلم، يجب تجويز إنقطاع العلة عن الحكم، حتى يقدر علم من غير عالم به. وهذا معلوم بطلانه بضرورة العقل. فإنا نعلم أن من قام به علم بالسواد، استحال أن يكون غير عالم به. فوضح مقصدنا.

وما بلغ أحد من الخائضين في أحكام العلل هذا المبلغ في الإيضاح، إما لا تقادهم وضوح ذلك، أو لا جتزائهم بالاتفاق واعتنائهم بمواقع الاختلاف. فإذا تبينتم ذلك، فاعلموا أنه غير مستقيم على أصول المعتزلة مع إثباتهم عالماً من غير علم. وهذا تصريح بترك عكس العلة.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٦٤