وأما ما ذكره المعتزلة من أن العلة: ما يتحدد الحكم بتحددها، فهذا باطل من أوجه: أحدهما: أنا نستدل على إثبات موجب قديم يستحيل وصفه بالتجدد، ونبين أن الواجب من الأحكام يعلل بالجائز.
على أنا نقول: ذكر التجدد في الأحوال التي لا توصف بالوجود خروج عن التحقيق فإنه إنما يتصف بالتجدد وما يتصف بالوجود.
على أنا نقول: لو خلق الله تعالى جوراً، وخلق الله معه في أول حاله علماً قأئما به، فالعلم علة في كونه عالما، وإن وجد مقارناً له، ولم يتحقق منه التغيير والتنقل، إذ لم يسبق للجوهر حالة يتضمن العلم النقل منها.
ومن قال: العلة هي الصفة الجالبة للحكم، فهي لفظة اختلال وإبهام وإجمال. فأما الاختلال فهو أن الجلب ليس ينبئ عن إيجاب واقتضاء على تحتم. وقد يجلب الجالب ما يجوز أن لا يجلبه، والحدود موضوعة للكشف والإيضاح.
وبقريب من ذلك اعترض المحققون على قول من قال: هي المثيرة أو المؤثرة. فإن واحداً منهما ليس ينبئ عن إياب. وفي قول القائل: هي المؤثرة، ضرب آخر من الفساد، فإنه يتضمن إثبات حكم دون العلة، ثم تؤثر العلة في الحكم السابق ثبوته.
وأما الذي ارتضاه الأستاذ أبو بكر، حيث قال: العلة هي التي توجب استحقاق حكم وتسمية به، فيقال: لا مطمع لك في القول بالعلل، وساهمة القائلين بها مع التصميم على انكار الأحوال. وقد أوضحنا ذلك حتى قربنا من مسلك الضرورات. والتسمية التي ذكرها ليس يفهم منها إلا اللغة. واللغات إنما تثبت توقيفاً أو وضعاً ويستحيل أن تقتضي قيام الأعراض لمحالها، وضع اللغات، وتقدرها عن مواضعة أو توقيف. فلا وجه لذكر التسمية.