الأخص، ولكن ندرك الذات على الأخص، على منهج أصلهم في العلم، فوجه الانفصال عن السؤال أن وقول: إذا زعمتم أن الشيء يدرك أول ما يدرك على الحال، فلم تقولوا إنه يدرك على كل حال. بل إنما يدرك على أخص أوصافه دون ما عداه من الأحوال، وفلا نفرض عليكم الكلام في الأخص، بل نفرضه فيما سواه، ونطرد الدلالة فنقول: إذا رأي ذاتا على حال أو أحوال، واستدل بعد ذلك على أثبات حال أخرى، فما قولكم فيه؟ وهذا ي=بيّن في دفع السؤال.
على أنا نقول: لا تنحصر طرق العلوم بالذوات في المشاهدات، أفرأ يتم لو أخبرنا نبي ذات، وعلمناها قطعا بإخبارهن ولم يخبرنا عن حال لها. ثم نظرنا بعد ذلك في أحوالها، لتصور ذلك، ومحصول الكلام في تحرير الدلالة أن نقول: إذا علم الذات، ثم علمها على حال، فقد ثبت علمان وفاقاً. أحدهما بالذات، فلا يخلو العلم الثاني: إما أن يكون علماً بالذات أيضاً، وإما أن يكون علماً بالحال، وإما أن يكون علماً لا بالذات وال بالحال. وال مزيد على هذه الأقسام. وباطل أن يكون العلم الثاني علما بما العلم الأول علم به. فإنة لو علم ثانياً ما علمه أولا، لوجب أن يعلم الذات أولا على الحال كما علمها ثانيا. ويجب أيضاً أن يعلم الذات على الحال، على كل من علم الذات. ويلزم من ذلك أيضاً تماثل العلمين وتشابههما من حيث تساويا في الحدث واتخد متعلقهما. ولا خلاف في إختلاف العلمين بيننا وبين ابن الجبائي، فبطل أن يكون المعلم الثاني علماً بالذات. فإن كل علم بالحال فهو الذي نبتغيه، وفي الإعتراف به الإفصال به الإفحاص بكون الحال معلومة. وإن لم يكن الملم الثاني لا بالحال ولا بالذات، ينبغي أن لا يكون له معلوم. فإنه لم يتعلق بذات ولا حال.
وذلك باطل من وجهين: أحدهما: أحدهما أن علماً لا معلوم له، محال على ما سنوضحه في أحكام العلوم. والثاني أن ابن الجبائي-وإن جوز علما لا معلوم له-فليس الذي نحن فيه من ذلك عنده. فإن من أصله أن العلم الثاني يتعلق بالذات على الحال وله معلوم. وإنما نناقش في تفصيل المعلوم.