تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والدليل على كون الأحوال معلومة أن نقول: من علم الذات ولم يحط بحالها علما. ثم علم بعد ذلك كون الذات على حال، فنحن نعلم قطعاً أنه علم ما لم يعلمهن واستفاد ما لم يحط به أولا، فينقسم الكلام على من يخالفنا ونقول: إذا علم الذات، ثم علم الحال، لم يخل القول في ذلك: إما أن يقول: علم عين الذات ثانياً، وذلك محال، فإنا نعلم أنه أحاط الآن بما لم يحط به أولا. ولو ساغ أن يقال إنه علم ثانياً ما علما أولا، لساغ أن يقال: من علم الجوهر ثم نظر في كونه نظراً صحيحاً، لم يعلم ثانياً إلا ما علم أولا.

والذي يوضح الحق في ذلك: أنه قد يعلم الذات ضرورة، ويعلم الذات على الحال نظراً. فلو كان المعلوم أولا، لكان الشيء الواحد معلوماً ضرورة نظراً، وهذا مستحيل وفاقاً.

فإن قالوا: الذي ذكرتموه لا يتحقق، فإن وجود الشيء لا نعلمه إلا ونعلم كونه على حال جملة أو تفصيلا، فلم يستقم ما قدرتموه من العلم بالذات وحدها، ثم النظر في الحال. وأوضحوا ذلك عند أنفسهم بأن قالوا: إنما نعلم الذات ضرورة حساً وإدراكاً، ولا ندرك الشيء إلا على أخص وصفه حتى قال الأكثرون منهم: إن الإدراك لا يتعلق إلا بأخص وصف الشيء، وزعموا أنه لا يتعلق بوجوده وذاته.

فنقول لهم: هذا الذي ذكرتموه نهاية التناقض. فإنكم إذا زعمتم أن الرؤية تتعلق بأخص الأوصاف دون الوجود، فأني يصح كون ألأخص، وهو حال، مدركا، مع أنه غير معلوم، لولا الغفلة والتجاهل؟ وكل معلوم مدرك وفاقاً، والمعلومات منقسمة: فمنها ما يدرك، ومنها ما لا يدرك.

فإن تعسف منهم من لم يحط بحقائق أصول في الادراكات، وقال: لا ندرك

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٤٨