تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يقوى المسك به أن نقول: لو سلك سالك في الجوهر والأعراض مسلكك في الذوات وأحوالها، وزعم أن العرض لا يعلم وإنما يعلم الجوهر على العرض موصوفا به، كما تعلم الذات على الحال، فلا يجد ابن الجبائي في ذلك فصلا. ومما يتمسك به أن يقول: قد ذكرتم أن الحال ليست بمدلوله، فما قولكم في ذات علمت ضرورة؟

ثم استدل على إثبات حلا لها، فلا بد للدليل من مدلول؟ ومن تجاهل فجوز علما لا معلوم له، لم يجوز دليلا لا مدلول له. فإذا المستدل دليلا على أثبات حال للذات معلومة اضطراراً، فنوجه الطلبة عند ذلك على ابن الجبائي، ونقول له: مام مدلول الدليل؟ فإن زعم أن مدلوله الذات كان محيلا، إذ ما علم ضورة لا يستدل عليه. وإن زعم أن المدلول الحال، ققد نطق بالحق وسلم المسألة. وإن لم يثبت للدليل مدلولا، فقد انسل عن المعقول.

والذي يكشف الحق في ذلك أن الدليل النمصوب على إثبات الحال لا تشبث له في إثبلت الذات أصلا، وإنما يتلق وجهه الذي منه يدل الدال. وهذا ما لا محيص منه.

ومن أعظم ما نتمسك به أن نقول: قد أعطيتمونا الحكم باستحالة قدرة لا مقدور لها، وإن نازعتمونا في تجويز علم معلوم له، وقولكم إن الحال ليست بمقدورة، يجركم إلى نفي جملة المقدورات. وذلك أن من أصلكم أن المقدورات في العدم، وكونه شيئا ذاتاً، ليس من أثر القدرة. فإن زعمتم أن المعدوم إذا وجد، فوجوده عين كونه ذاتا، فقد تناقض قولكم. وأول ما يلزمكم عليه أن يكون موجوداً، مهما كان ذاتا. وإن زعمتم أن الوجود حال، فالحال عندكم غير مقدورة، وفي هذا رفع المقدورات، وقطع أثر القدرة.

فهذه جملة كافية في أصول الأحوال ومقدماتها، وإنما يستوعب تفاصيلها، من يحيط بجملة أحكام الصفات. وإنما قدمنا هذا منها، ليستعان به في أحكام العلل. وها نحن الآن نخوض وأحكامها مستعينين بالله تعالى.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٥٠