تصميمهم على نفي علمه، وهذا قد تمسك به القاضي. وفيه نظره، فإن شيخنا رضي الله عنه أنكر أن يكونوا عالمين بكون الرب عالماًن، ولا معول على الإعتقاد إذا لم يكن علماً. وسنعقد في ذلك فصلا في آخر الصفات إن شاء الله. فهذه عمدة القائلين بإثبات الأحوال، لا يشذ منها إلا تكرير عبارات، وتجويز ألفاظ يؤول مرجع جميعها إلى ما سبق. ونحن الآن نذكر ما تمسك به نفاة الأحوال وننقصل عنه.
وما استدلوا به، وهو الذي عليه معلولهم، أن قالوا: الحال الذي أثبتموها لا يخلو: إما أن توصف بالوجود، أو لا يتوصف به. فإن وصفت بالوجود، والكلام مفروض في الحوادث لم يخل من أن تكون جوهراً أو عرضاً، ثم لا تخلو بعد تقديره من أحد القبيلين عن حال، فيتسلسل القول ويفضي إلى حوادث لا تتناهي، وإن لم تكن موصوفة بالوجود، وجب وصفها بالانتفاء والعدم، إذ ليس بين الوجود والعدم رتبة، كما ليس بين النفي والإثبات رتبة. ثم إذا نعتت بالعدم فقد وصفت بالإنتفاء-وهذا تصريح بنفي الأحوال-فأنيّ يستقيم مع ذلك وصفها بكونها موجبة معلولة وقد ثبت انتفاؤها؟ والأولى بنا في الجواب أن ندخل مستفصل بعد أن نسلم أن الأحوال ليست بموجودة، فنقول: أتدعون أن ما لم يوصف بالوجود انتفاؤه ضرورة وبديهة أم تدعون ذلك نظراً واستدلالا؟
فإن زعمتم أنا نعرف ذلك ضرورة، قطع الكلام عنكم، وقوبلتم بدعوى الضرورة في صد مرامكم، وكيف يحسن إدعاء الضرورة فيما عده المحققون من أغمض أبواب الحجاج، وأدقي ضروب النظر، وقد وضحت الأدلة على إثبات الأحوال وضوحاً لا مدفع لها، وقامت الدلالة القاطعة على استحالة وصفها بالوجود والانتفاء. وسيحيل قيام الأدلة على خلاف ما علم اضطراراً، فإن الأدلة