تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجهها ثم نبين أنه لا بد للأولين من التمسك بها، فنقول: قد ثبت في صدر الكتاب، حدث المعالم، وثبت أنه لم يحدث موجبا عن علة وتولداً عن طبيعة. وأوضحنا أن لو قدرنا صدور العالم عن طبيعة موجبة، لاستحال اختصاص الحدث بوقت دون الوقت، إذ ايجاب الطبيعة، لو قدر ثبوتها جدلا، في وقت كإيجابها في غيره. فإذا بطل طون العالم موجبا عن علة، ومتولداً عن طبيعة، واتضح وقوعه جائزاً على اتساق وابتداء من غير ايجاب، ثم كان مع ذلك، متخصصا بالإحكام والإتقان، وحسن الإنتظام، وضروب البدائع التي يحار عقول أرباب الألباب في أدناها، تقصر عن درك قصاراها، فلا يستريب العاقل، إذا نظر في ملكوت السموات والأرض وسبق اعتقاده إلى بطلان الطبع، فوقوع العالم منشئاً جائزا في أن العالم لا يحدثه إلا حى قادر عالم.

أوضح ذلك-رضي الله عنه-بأن قال: إذا ذكر للعاقل أن الموتى يفعلون ويرتبون أفعالهم، أو ذكر له أن العاجز الجاهل يفعل ما يفعله القادر العالم، ابتدر إلى العلم ببطلان ذلك ضرورة وبديهة. ولو حاول تشكيك نفسه لينظر ويستدل، لم يجد إلى تشكيك نفسه سبيلا. وهذا واضح ال خفاء به. ثم قال: من لم يسلك هذه الطريقة، وألزم نفسه منهج الأدلة، يسلم من طلبات لا يجد إلى التقصي عنها سبيلا، إلا أن يلوذ بإدعاء الضرورة آخراً.

وبيان ذلك أن قائلا لو قال: لا تمتنع الأفعال من الموتى والجمادات والعجزة والجهلة، فلو طالب السائل بالدليل على ذلك وزعم أن الأفعال، وإن لم تقع من هؤلاء وفاقا، فليس هي ممتنعة عليهم.

وأصل ما قدمناه من السبر يستند إلى ادعاء انقسام الموجودات في امتناع العفل على بعضها، وعدم امتناعه من بعضها، فلو رام من وجهت عليه الطلبة من ذلك مخلصا، لم يجد إليه سبيلا، ولم يتمكن من معتصم إلا ادعاء الضرورة وهذا بيّن عند التأمل.

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٢٨