وقد ذكر الأستاذ أبو إسحاق طرية انفرد بها، وهي عند التحقيق آيلة إلى طريقة القاضي. وذلك أنه قال: الحدث دليل على القدرة، والإحكام دليل على العلم. وكون الحدث ولإحكام دليلين على القدرة والعلم، معلوم ضرورة.
وسلك في تحقيق الضرورة مسلك القاضي، ثم قال: لا معنى لكون الشيء دليلا على مدلول عقلا إلا أن يرتبط به على وجه يتضمن العلم، بوجه إراباط العلم بمدلوله. وهذا المعنى متحقق في الحدث الدال على القدرة، والإتقان الدال على العلم. فخرج مما قاله أن العلم الضروري ينقسم: فمنه ما يحصل بدئا غير مستند إلى سبب، ومنه ما يستند إلى سبب. ثم السبب الذي تستند إليه بعض العلوم الضرورية ينقسم: فمنه ما يترتب العلم عليه في اطراد العادة من غير ايجاب عقل، كالعلم بخجل الخل ووجل الوجل عند مشاهدة قرائن من أحوالهما. ومن الأسباب المقدمة ما يترتب العلم عليها وجوبا، وذلك ينقسم: فمنه ما له تعلق باقتضاء العلم، من غير أن يرتبط ارتباط الدليل بالدلول، وذلك نحو الإدراكات المتعلقة بالمدركات، فإنها تتضمن للضرورة، وهو مع ذلك يتعلق تعلق الدليل بالمدلول، فهو كالذي نحن فيه من الحدث والإتقان المتلقين بالقدرة والعلم المنبين عنه. من الحدث والإتقان المتعلقين بالقدرة والعلم المنبين عنه.
فهذه طريقة، وهي حسنة جداً، ومرجعها يؤول إلى ما ذكره القاضي، غير أنهما يفترقان في وجه واحد وهو: أن القاضي يقول: الإتقان ليس يتعلق بالعلم تعلق الدليل بالمدلول، بل يعلم عند الإتقان علم المتقن، من غير تعلق بين الإتقان والعلم. والأستاذ يدعى تعلق أحدهما بالثاني على حسب تعلق الدليل بالمدلول.
يستدل على ذلك بأن يقول: لو لم يكن الاتقان متعلقا بعلم المتقن، لجاز تقدير العلم بصدور الاتقان من الفاعل، مع تقدير الجهل بعلمه عند تقدير خرق العوائد. وهذا كما أن قرائن أحوال الخجل لما لم تكن متعلقة بخجله. فلو خرق الله تعالى العادة، ولم يخلق العلم الضروري عند مشاهدة تلك القرائن، لجاز ذلك في حكم