ومحصول القول عند قال بالحال: إن المعلوم ينقسم إلى نفي محض، وإلى موجود وإلى صفه وجود فأما الصانع فيستحيل أن يكون نفيا محضا، ويستحيل أن يكون صفة لوجود، فلم يبق إلا أن يكون موجوداً. والذي يوضح الحق في ذلك أن من قال بالحال لم يجعله نفيا محضا، لم يصفه يكون موجودا. والذي يوضح الحق في ذلك، لو كان القائل بالحال يصفه بالعدم. وإنما نطرد الاستشهاد أيضاً بالحال لمن يزعم أن الصانع ليس بموجود ولا معدوم. وإنما غرضنا الآن التعرض لإبطال القول بعدمه.
والطريقة التي ذكرناها لا تستتب على أصول المعتزلة. فإنهم وصفوا المعدون بجمل من صفات الاثبات، وحكموا بكونه جوهراً موافقا لجنسه مخالفا لجنسه، وحكموا بأن المعدوم عرض علم وخصصوه بأخص أوصافه، فلا يبعد على فضية أصلهم: كون الصانع معدوما مع اختصاصه بصفات الإثبات.
ومما ذكره القاضي رضي الله عنه-وعول عليه أن قال: إذا ثبت بالأدلة السابقة افتقار الصنع إلى الصانع، ودلالته عليه، فيعلم اضطرارا أن من يوجد ويخترع، ويحكم ويتقن، ويحي ونميت، ويعلم ويقدر، ويتصف بالحياة والإرادة، موجود قطعا. وهذه طريقة القاضي سنوردها في مواضع. فإن من أصله أنا نعلم اضطرارا أن الفعل لا يصدر إلا من قادر عليه، والإحكام والأتقان فيه لا يتحققان إلا من عالم به يتصف بحكم القدرة والعلم، ولا يتصف بحكم القدة والعلم إلا حي. فذكر القاضي أن السبيل في ذل ككله الضرورة، فإنا نعلم اضطرارا أن الميت والجماد يستحيل منهما الأفعال الاختيارية. وكذلك نعلم ضرورة استحالة صدور البناء فسلو كها في إثبات وجود الصانع أولى، فإن قول من قال: صدر البناء عن معدوم، أبعد من قول من قال: إنه صدر من جاهل أو عاجز.
وسلك القاضي مسلكا آخر وقال: قد دل الفعل على الصانع وعلى كونه عالماً،