المصير إلى عدم الصانع وبين نفيه أصلا، وإن انجر الكلام إلى الطلبة بإثبات الصانع، فقد سبق تقريره.
والذي يحقق ما قلناه: إنه لا معنى الموجود عندنا إلا أنه شيء ثابت. وإن اعترف الخصم بثبوت الصانع، فقد اعترف بما نعنيه بالوجود، ورجعت مناقشته إلى عبارة. وهذا من أقوى ما نتمسك به، وهو على الحقيقة كشف، وايضاح لصحف الكلام إلى اللفظ دون المعنى. فإن قال قائل: قد ثبت عندكم ما لا يتصف بالوجود، وقرن السائل ذلك بضروب من الاستشهاد، منها أنه قال: العدم ثابت للمعدوم، كما أن الوجود ثابت للموجود. وأقرب ما استشهد به الأحوال على مذهب مثبتيها، فإنها ثابتة عندهم، وإن لم يصفوها بالوجود. وهذا الذي ذكره السائل لا يقدح فيما سبق. وذلك لأن ما استشهد به ثبوت العدم. وهذا تمويه لا محصول له. وذلك أن الثبوت إذا أطلق فقد يراد به العلم به العلم متعلقا بمعلوم، وقد يراد به نقيض الانتفاء فيما يرام الإثبات فيه.
فإذا قال القائل: ثبت العدم، فليس يعنى إلا العلم به، ولا معنى به إلا أن يعلم ذو العلم انتفاء ثابت، أو انتفاء مقدر ثبوته، وانتفاء ما لا مقدر ثبوته، فلا يتحقق في المعلوم إذا ثبوت، وإنما ينصرف الثبوت في إطلاق المطلقين إلى العلم بالعدم، وهو ثابت على التحقيق. وقد نعبر بالإثبات عن نفس العلم، فيقالك أثبت فلان فلانا إذا علمه وميزه. فأما الثبوت الذي هو نقيض الانتفاء، فلا يتوهمه في الانتفاء لبيب. ووضوح ذلك يغنى عن بسطه.
وأما ما استشهد به السائل من الأحوال، فهو أول سؤال على شر ذمة من المتكلمين، إذ الجمهور منهم على نفي الأحوال. وتعويلهم في نفيها على استحالة وصفها بالوجود. وإنما صار إلى إثبات الأحوال طائفة من المتأخرين من كل فرقة. فمن نفي الحال، فقد كفى مؤونة السؤال. ومن أثبت الأحوال ليس يعنى أنها ثابتة، بل أراد بإثباتها العلم بها. والأحوال في أنفسها ليس بثبتة عنده ولا منفية، كما أنها ليست بموجودة ولا معدومة، وسنشرح ذلك في موضعه إن شاء الله.