تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدثني إنسان له أب من أكثر الناس غنى ، لكن لا أزكي على الله أحداً أحسبه صالحاً ، قال لي : سبب غنى والدي أنه كان عليه دين لشخص غير مسلم بالليرات الذهبية ، والقصة قديمة جداً ، من خمسين عامًا تقريباً ، ثم صدر توجيه يمنع التداول بالذهب ، وينقلب التداول بعملة ورقية بحسب القانون ، فلو أنه أدى ما عليه بالورق لدفع ربع ما عليه ، قال : فأصر والدي أن يعيد القرض كما أخذه بالليرات الذهبية ، والرجل المقرِض غير مسلم ، هذا له وكالة في بلد عربي مجاور ، طلب منه أن يفتح وكالة في هذا البلد ، وهو على فراش الموت ، وأن يعطوا الوكالة لهذا المسلم الذي أدى له الدين بالتمام والكمال ، فلما جاء أولاده إليه قالوا : نحن لا نملك ثمن هذه البضاعة قال : الثمن علينا ، ولكن خذ الوكالة ، وهذا سبب غناه الشديد ، يؤدي الذي عليه ، ومن يفعل ذلك فهو إنسان راق ، طبعاً نحن كمسلمين ما الذي ضيع الحقوق ؟ ضعف الدين ، كيف أن عمر رضي الله عنه يجلس للقضاء سنتين دون أن يأتيه متخاصمان ، وكيف أن محاكمنا تموج بعشرات ألوف الدعوات ، المسلمون يغتصبون أموال بعضهم بعضاً ، الطبقة العادية المسلم العادي الذي يرتاد المساجد ليصلي ، المحسوب على المسلمين يأخذ ما ليس له ، اذهب إلى المحاكم تجد آلاف القضايا ؛ اغتصاب أموال ، اغتصاب شركات ، اغتصاب وكالات ، أيمان كاذبة ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، فالبطولة لا أن تصلي فقط ، بل أن نرى ثمار صلاتك أمانة ، وصدقاً ، وعفافاً ، هذا النجاشي عندما سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم بماذا أجابه سيدنا جعفر ؟ قال : نعرف صدقه ، وأمانته ، وعفافه ، وإخلاصه .

أركان الأخلاق الصدق إذا حدثت ، والأمانة إذا عاملت ، والعفة إذا استثيرت شهوتك ، هذه أركان الأخلاق .

وقد تجد معاملة طيبة جداً من إنسان غير مسلم ، ومنهم من يبيع دينه وآخرته بعرض من الدنيا قليل .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٩١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٩١٠