تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدثني أخ يركب مع صديق له في طريقهم إلى المطار ، يبدو أن صديقه كان جاهلاً وغافلاً ، وجد جروًا صغيرًا على طرف الطريق ، فأراد أن يمتحن براعته في القيادة ، فقصّ يدي الجرو الاثنتين ، ببراعة كبيرة جداً ، جرو صغير له يدان ممتدتان ، وبدقة بالغة يدوس على يديه فقط دون أن يقتله ، قال لي : وأطلق ضحكة هستيرية متباهياً بقدرته في القيادة على حساب جرو من مخلوقات الله ، أقسم لي بالله العظيم إنه في اليوم التالي من أيام الأسبوع ، أي أن الحادث كان يوم السبت ، السبت القادم في المكان نفسه إحدى العجلات أصابها خلل ، فوقف لرفع المركبة على جهاز ، الجهاز كان فيه خلل ، فوقعت المركبة فوق العَجَلة والعَجَلة فوق يديه عند رُسغيه ، وإلى أن وصل إلى المستشفى اسودَّت يداه ، وكان لا بد من قطعهما ، وقُطِعت يداه من الرُسغين بعد أسبوع واحد من الذي فعله مع هذا الجرو ، قال تعالى : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)

فالإنسان وإن كان مُفلسفاً ، متحذلقاً ، عنده قوة إقناع ، يقلب الحق إلى باطل ، الله عز وجل يتدخل ، وتَدَخُلَه إظهار للحق ، ثم يقول الله عز وجل نعيد الآية مرة أخرى :

[ سورة آل عمران ]

إن كنت على حق ، وبذلت كل جهدك لإقناع الطرف الآخر ، استثرت همته ونخوته ومنطقه ، أتيته بالحجج والبراهين والأدلة ، ثم خوَّفته ، فركب رأسه وتطاول وازداد انحرافاً وظلماً ، عندها ادعُ عليه : اللهم اهده ، فإن لم تهدِه فخذه .

المعنى الآخر ؛ أنك حينما تفعل شيئاً لا يُرضي الله ، وإن كان معك نصوص تغطي هذا الشيء تشعر باضطراب داخلي ، ولا تستطيع أن تتصل بالله عَقِب هذا الشيء ، والإنسان قد يفعل شيئاً مخيفاً لكن مع الحق ، ففرضاً إنسان يبيع للناس لحماً ميتاً هذا ممكن ، وأنت موظف تموين إن عاقبته فأنت مُغطى من الله عز وجل ، لأنه يطعم المسلمين لحماً ميتاً، هنا لا يوجد رحمة ، قال تعالى :

[ سورة النور : الآية 2 ]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٨٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٨٧٠