صدقوني أيها الإخوة ، إنك لو دققت في حياة المسلمين بعمق ، وجدت ولاءهم لغير المسلمين ، فيتفنن المسلم أحياناً كيف يوقع بك الأذى ، ويعلم أنك مسلمٌ مثله ، فإذا جاء مع غير مسلم كان لطيفاً إلى درجةٍ لا تصدَّق ، أليس هذا ولاءً لهم ؟ هذا الأخ المؤمن ، وتعلم أنه مظلوم، تتفنن في إيقاع الأذى به ؟ وهذا القوي غير المسلم تتفنن في ملاطفته ، وفي البحث عن حلٍ لمشكلته ، وفي بيان سبيلٍ لنجاته ؟! كيف تواجه الله يوم القيامة ؟ هذا الذي جاءك ضعيفاً ، توقع به أشد أنواع الأذى ، وأنت مرتاح ، وهذا الذي جاءك قوياً ، تفكر له عن حلٍ لمشكلته دون أن تشعر ، هذا والله ولاءٌ ، وأي ولاء ، وبراءٌ من المؤمنين ، وأي براء ، لو دققت في حال المؤمنين ، فيكفي أن توالي هؤلاء ، وأن تحبهم ، وأن تدافع عنهم ، وأن تشيد بهم ، وأن تتحدث عن براعتهم ، وعن كفاءتهم ، وعن تفوّقهم وأنت لا تدري ، أنت واليتهم ، وأنت لا تدري .
هذا درسٌ مهم جداً ، أيها الإخوة ، حتى يرضى الله عنا ، وحتى ينصرنا ، وحتى ينظر إلينا بالعطف فلابد أن نكون مع المؤمنين ، وأن يكون ولاؤنا للمؤمنين ، ومحبتنا للمؤمنين ، وقد لا يعجبك المؤمن ، فيه تقصير ، فيه تخلف ، فيه جهل أحياناً ، فيه تجاوز ، واحد عنده أولاد ، فأولاده قدره ، شاء أم أبى ، أولادنا قدرنا ، والمؤمنون قدرنا ، لكن محبتنا لهم ، وعطفنا عليهم ، وقوتنا لهم ، وحرصنا عليهم ، وخبرتنا في خدمتهم .
أيها الإخوة ... أضع بين أيديكم نموذجًا للولاء والبراء : طبيب مقيم بأمريكا ، وله دخلٌ فلكي ، ويعيش حياةً ماديةً تفوق التصوُّر ، لكنْ في أعماقه شعور بالذنب ؛ أن كل علمي ، وكل خبرتي ، وكل تفوقي لغير المسلمين ، فعاد إلى بلده ، وافتتح عيادةً ، لا شك أن الموازنة بين بلده، وبين بلد غربي متقدم فيها بونٌ شاسع ، لكنه أسر لي قال : شعرت براحةٍ لا توصف ، لأنني أعالج المسلمين ، وأضع علمي في خدمتهم ، هذا شاهد .